رام الله | انتفضت صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة بالفلسطينيين الذين علقوا باستهجان على صور لشاب ثلاثيني كان يرتدي «بنطال فيزون» ويتجول في مدينة نابلس شمال الضفة المحتلة. هذا الشخص تعرض للاعتداء على أيدي شباب لاحقوه في المدينة يوم السبت الماضي قبل أن تحرره الشرطة من أيديهم وتبعده خارج نابلس.


كان اللافت أن كثيرين تعاملوا مع الحادث الفردي على أنه ظاهرة، فركزت وسائل الإعلام المحلية علىه بمانشيت: «فيزون في شوارع نابلس»، من دون أن تشير إلى هوية الشخص والمكان الذي أتى منه، فضلاً على السبب الذي دفعه إلى ذلك، وتعرّضه للاعتداء لاحقاً.
بعد تقصّي مراسل «الأخبار»، عُلم أن الشاب يدعى «نظمي» وهو من بلدة جلجولية الواقعة داخل الأراضي المحتلة. وقال مقربون منه إنه يعاني سلوكاً أنثوياً وخللاً هرمونيّاً منذ سنوات طفولته الأولى، ما ينفي وفق متابعين وجود حوادث مشابهة يمكن أن تشكل ظاهرة في الأراضي الفلسطينية. كذلك قالت عائلته إنها بذلت جهداً كبيراً لعلاجه «لكن من دون جدوى».
وعلقت الاختصاصية الاجتماعية إخلاص شبانة على طريقة تعامل الشبان مع الحادثة واعتداء بعضهم على «نظمي» بالقول: «تكوّنت لدى الفلسطينيين حالة من الاغتراب الاجتماعي في ظل زيادة جرائم القتل والانتحار أخيراً. فحين رأوا ذلك الشاب ربطوا كل ما يجري بهذا المشهد الذي اعتبروه غير مقبول، لأن هذا المجتمع صبغته ذكورية وذو طبيعة محافظة، كذلك يخاف الناس المراحل المقبلة في ظل الإحباط الحالي والخوف من تحول الحوادث الفردية إلى ظاهرة».
وأضافت لـ«الأخبار»: «مواقع التواصل إذا ركزت على أي موضوع تصنع منه ظاهرة، وهذا ما جعل الناس يتعاملون مع هذه الحالة الفردية على أنها ظاهرة فزعوا منها». واستدركت شبانة: «إذا سألت أي شخص آخر لا يستخدم الإنترنت، فسيرى الموضوع حالة فردية، وقد يصف ذلك الشخص بأنه مجنون».
وشددت الاختصاصية على أن المجتمع الفلسطيني لا يتقبل الأشخاص الذين يعانون أي حالة من الشذوذ، «وذلك من منطلق ديني واجتماعي محافظ، ما يمنع على الناس هنا الاعتراف بوجود جنس ثالث ضمن مكوناتهم حتى مدة طويلة، وما يعنيه من خطر على تربية أبنائه». وقبل هذا الحدث، حاول الفنان الساخر محمود رزق معايشة التجربة مع زميل له ليقيسا تقبّل المجتمع ارتداء الذكور «الفيزون». ورغم أنها كانت في حقيقتها قائمة على تمثيل المشاهد في الشارع أمام الناس وتصويرها، فإن الذين شاهدوه في برنامج «بالشكلوب» ظنوا أنهم يتصرفون بطريقة حقيقية من دون معرفة خلفية البرنامج الكوميدية. يقول رزق لـ«الأخبار»: «فن ريالتي شو الذي نقدمه عبر عرض حقيقي في الشارع فكرته شقلبة الأمور، كأن نعرض لبس الفيزون الخاص بالبنات ليرتديه الشبان، ونرى آراء الناس عندما يشاهدون الفكرة تمثّل أمامهم»، مضيفاً: «فوجئنا بتقبّل الفتيات الموضوع، في حين رفضه الشبان».
أما عن تعامل الناس مع برنامجهم واتهامهم بأنهم يمهدون للأفكار الغريبة في الضفة، فنفى ارتباط تلك الحادثة الفردية بما قدموه، متابعاً: «سمعنا تعليقات ساخرة واستهزاءً، كذلك تعرضنا للضرب وطردنا من عدة أماكن». وعلق على ما جرى في نابلس بالقول: «اللبس حرية شخصية، لكن على كل شخص أن يحترم خصوصية مجتمعه وعاداته، وما جرى لا يمكن تعميمه». ولا يخفى أن المواقع المحلية ساهمت في تعميم الحادثة بتركيزها على «نظمي» والصور التي تظهر الملابس التي ارتداها من دون أن تقدم معالجة صحيحة للموضوع من كل جوانبه. هنا قال أستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت صالح مشارقة إن تغطية الإعلام ما حدث في نابلس «نسخة كربونية عن العقل الجمعي الذي تحكمه الشعبوية لا التقاليد المجتمعية التي تتحمل الاختلاف، وتتبع الإجراءات القانونية كالاتصال بالشرطة للتبليغ عن أحد المخلين بالنظام».
ومضى يقول لـ«الأخبار»: «تدخّل بعض الشبان فوراً لوقف حادثة عرضية، في حين كان الناس يقفون وقفة المتفرج، وفي المقابل استمتع الإعلام بغرابة القصة ونقلها من دون أي تدخل، كذلك عالج الغرابة بالإثارة القصوى لحواس القراء ولم يتوقف لحظة لمعرفة اسم الشاب المختلف أو عمره أو مكان سكنه أو حالته، فقد يكون أحد المرضى النفسيين». واختتم مشارقة حديثه: «مصطلح إعلام الجموع يعني أن الجمهور يقرر رسالة الإعلام لا العكس، وهذا ليس من باب ديموقراطية التغطية بل الاندفاع العالي الذي يصبح فيه الإعلام متعلقاً بالكامل مع الجمهور وليس فاحصاً أو مدققاً في الحدث».