لم تستطع الثورة في تونس مواصلة الهرب طويلاً من مضمونها. تحاول الآن جاهدةً البحث عن نفسها من جديد، والمصالحة معها. طوال السنوات الخمس الماضية، شهد المسار الثوري في تونس انحرافاً عن مبادئه الأصليّة، وجرى الزج به في مسائل حزبية، تارة، وأيديولوجية، تارةً أخرى، إضافةً إلى إشكالات عقائديّة جعلت من القضايا المُسبّبة للثورة قضايا هامشيّة وثانويّة وسط صراع المرجعيّات الحزبيّة ومطارحات الإسلام والعلمانية، لكن، ما حدث في مدينة القصرين، في الأيام الماضية (17 كانون الثاني)، هزّ تونس، وأوشك أن يُنهي انحراف المسار الثوري، لو لم يتربص به أعداؤها.

«شغل، حرية، كرامة وطنية»

منذ كانون الأول2010، كان الشعار المركزي للثورة التونسية «شغل، حرية، كرامة وطنية»، قبل أن يُغرّر بها وتنحرف عن مسارها لمصلحة شعار «الإسلام في خطر». اختزل الأخير جملة المطالب الاجتماعية، التي من أجلها قامت الثورة، ليعود بقوة بعدما لقي الشاب رضا اليحياوي حتفه، وهو يدافع عن حقه في العمل والحياة الكريمة.
رضا، كعشرات الآلاف من شباب تونس، حاصلٌ على دبلوم. يبحث عن عمل. شارك في تحركات احتجاجية عديدة. وحالما اقترب من الحصول على مبتغاه، لاعبت أيدي الفاسدين، من المسؤولين الإداريين، بقائمة أسماء المقبولين.
فارق رضا الحياة، متسلقاً عمودا كهربائيا. بعضهم قال إنه انتحر احتجاجاً، وبعضهم الآخر يؤكّد أن التيار الكهربائي صعقه، وهو يهم بإلقاء خطاب تحريضي للمعتصمين.
على غرار محمد البوعزيزي، كان موت هذا الشاب شرارة أجّجت الاحتجاجات، في القصرين والمدن المجاورة لها، لتنتقل العدوى بسرعة إلى جميع المدن التونسية الداخلية منها والساحلية. رفع الشباب المتعطلون عن العمل والمهمّشون شعارات اجتماعية، لا علاقة لها بالمحاصصات الحزبية ولا بإشكالات الهوية.

ما دامت السيادة السياسية والاقتصادية بيد الأجهزة سيبقى أفق الثورة مفتوحاً

شبح الإرهاب يمارس الغياب

في تونس، كثيراً ما رافقت العمليات الإرهابية الأزمات الحكومية. في كل مرّة، وحينما تجد الحكومة نفسها في مأزق، يقدّم الإرهاب لها المخرج. هو الطريقة الأمثل لصرف الأنظار عن التحركات الإجتماعية وتجريمها. في القصرين نفسها، اندلعت انتفاضة مشابهة في11 كانون الثاني 2014. فوق رؤوس المحتجّين، كانت طائرات الهيلوكوبتر تحوم في سماء المدينة، بحثاً عن «إرهابي خطير»، ما يدلّ على أن المنطق الذي تريد السلطات فرضه، هو أن التحركات شبيهة حدّ التماهي مع العمليات الإرهابية.
كذلك، هذه المرة مارست السلطات التونسية المنطق الردعي نفسه، فحالما اندلعت «الإنتفاضة» في القصرين، حتى بادرت أجهزة الدولة إلى قصف جبل الشعانبي، المتاخم للمدينة، حيث يتحصن الإرهابيون منذ 2012. ذكّرت الحكومة بخطر الارهاب، ثم أعلنت وزارة الدفاع عن القبض على مجموعة تسللت إلى المنطقة العسكرية المغلقة في جبل الشعانبي، قبل أن يعود رئيس الحكومة، الحبيب الصّيد، من مؤتمر «دافوس» لينبّهنا إلى أن تشتيت القوى الأمنية يسهّل العمليات الإرهابية. فالاحتجاج في منظور الحكومة ليس إلا انخراطاً في الإرهاب، لكن، هذه المرة لم يكن الإرهاب على الموعد. وعلى غير عادتهم، خذل الإرهابيون الحكومة في تقديم ذرائع لوأد التحركات، فاضطرّت إلى اللجوء لأساليب أخرى.

العنف المحض والعنف الثّوري!

لم يسقط زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني 2011، وفق قواعد اللعبة الديموقراطية. ما أسقطه هو العنف الثوري للجماهير. ليس العنف بمفهومه الأخلاقي المتعارف عليه، بل ذلك العنف الذي دفع بالجماهير الثائرة إلى مواجهة الرصاص برحابة صدر، وإلى حرق رموز النظام، والإطاحة به دون أدنى ممارسة للعنف المحض، ولكن كيف يمكن تصنيف ما حدث في تونس، منذ أكثر من أسبوع، ومعظم وسائل الإعلام المكتوبة، منها، والمرئية والمسموعة لا تطالعنا إلا بأخبار عن أعمال النهب والسرقة التي تعرضت لها الممتلكات العامة والخاصة؟
لم تعمد السلطات التونسية، خلال الهبّة الشعبية الأخيرة، إلى المبالغة في استعمال العنف ضد المحتجين خشية أن تواجه مصير بن علي. حاولت تقديم حلول مسكّنة، بمعاقبة بعض الفاسدين، والتسويف بحلول مستقبلية، ولكنها لم تنجح. حاولت، كذلك، التلويح بخطر الإرهاب ولم تنجح. وحينما رافق العنف المحض العنف الثوري، واندسّ في صفوف المحتجّين المخربين والنّاهبين، تمكّنت الحكومة من حصر رقعة الإحتجاجات وتقويضها وضرب مشروعيتها.
أولئك الذين يسميهم كارل ماركس «البروليتاريا الرثة»، كانوا مرة أخرى صمام أمان الثورة المضادة. حوّل وجودهم الجماهير الثائرة من محتجين إلى مُدانين. وما كان «عنفهم المحض» إلا قارب نجاة للحكومة من ورطة المحتجين. هكذا استطاعت السلطات التونسيّة الخروج من ورطة الثورة من جديد.
لعل أبرز هنّات النسق الثوري في تونس هي عفويته وبراءته الطفوليّة. منذ ولادته كان يتيماً شريداً، لا حزباً ثوريّاً له، ولا نظريّة ثوريّة (الحزب الثوري والنظرية الثورية هما الشرطان الأولان لقيام الثورة وفق التعاليم اللينينيّة). استطاعت الجماهير الثائرة عفوياً في كانون الثاني ٢٠١١ ترويض القوى الأمنية، وإجبار بن علي على الفرار، لأنها استطاعت أن تتنظم ذاتياً.
لم يكن ذلك ممكناً لها إلا بفضل لجوئها إلى الاتحادات العمالية، التي كانت مقراتها معاقل للثورة، ومناضلوها رجالاً لها. فلا يمكن لأحد، اليوم، أن ينكر الدور الثوري الذي أدته المركزية النقابية الممثلة في «الإتحاد العام التونسي للشغل»، في إنجاح انتفاضة ٢٠١١.
أما في كانون الثاني 2016، وبرغم محاولة الجماهير أن تتنظم ذاتياً للمحافظة على مشروعية التحرك، برغم المشاركة النشيطة للنقابيين كأفراد، فإن المركزية النقابية حافظت على تقوقعها البيروقراطي، ولم تنزل بثقلها لحسم المعركة، مثلما فعلت في2011.
ألم تكلّف هذه البيروقراطية نفسها مهمّة رعاية الوفاقات الحزبية وحراسة الوحدة الوطنيّة؟ فلا عجب إذن أن تكون قياداتها في المحافل الرسمية بصحبة القيادات الحكومية والحزبية، في وقت كانت فيه الجماهير، في الساحات، تبحث عن سبل أخرى للثورة من جديد.
عزلة الجماهير الثائرة في كانون الثاني 2016 لم تكن ملموسة فقط على هذا المستوى. عدد من الفئات الاجتماعية، خاصّةً الطبقات الوسطى والبرجوازية الصغرى، بقيت تتأرجح بين مساند للتحرك ومدين له. هذه الفئات التي شاركت في المعركة، في2011 ، تعتبر اليوم أن جزءًا مهماً من المطالب قد تحقق، ولا حاجة إلى الثورة من جديد لتحقيق ما تبقى.
أما الثائرون من أجل المطالب الإجتماعية، أولئك الباحثون عن رغيف خبز، فلن تغنيهم الديموقراطية من جوع. فحين يكتفي الأوّلون بسقف الانتقال الديموقراطي، يبحث الآخرون عن أفق الثورة. وحين لا يكترث هؤلاء لطريقة توزيع الثروة، يسعى أولئك إلى الحصول على نصيبهم منها. هم بذلك، عن وعي منهم أو من دونه، لا يربكون نظام الدولة وأجهزتها، فقط، بل يربكون أساساً أصحاب القرار السيادي في تونس؛ البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.
فما من شك أن السيادة السياسية والاقتصادية للبلاد، ما دامت باقية بيد هذه الأجهزة، فإن أفق الثورة سيبقى مفتوحاً... وطيفها سيتجلى من جديد.