في تصعيد جديد، لجأ العشرات من أبناء محافظة القصرين إلى النقطة الفاصلة بين تونس والجزائر، طالبين اللجوء إليها، احتجاجاً على عدم تلبية مطالبهم، بتأمين فرص عمل وتسوية أوضاعهم المهنية. ويأتي التصعيد بعد أيام على حالة الهدوء السائدة في المحافظة، عقب المواجهات التي شهدتها إثر اندلاع الاحتجاجات قبل أكثر من عشرة أيام.
وفي دائرة فريانة الحدودية، وعلى مقربة من مقار وحدات الأمن الجزائري، اعتصم العشرات من أبناء القصرين المتعطلين عن العمل، والمتعاقدين مع الدولة (المحرومون من الضمان الاجتماعي).
أحسن عناصر الأمن الجزائري معاملتهم. وأكّد الكاتب العام الجهوي لنقابة عمال الحضائر (العمال اليوميون)، في «الاتحاد الجهوي» للقصرين، فيصل العتوري، أن المحتجين وكردٍّ على تململهم من وضعهم المزري، وعدم ثقتهم بوعود الحكومات المتعاقبة، طلبوا اللجوء إلى الجزائر «احتجاجاً على عدم تلبية مطالبهم بالتشغيل وتسوية أوضاعهم المهنية».

عزل الصيد المعتمد الأول في القصرين لامتصاص غضب الشارع

ووصف العتوري، في تصريح لـ«الأخبار»، معاناة الآلاف من المتعاقدين بـ«اللاإنسانية»، لأنهم «يتقاضون مئة دولار شهرياً، ومن دون تغطية اجتماعية».
بدوره، أكد معتمد (المسؤول الأول) فريانة، عادل مبروك، أن مطالب عمال الحضائر مطروحة على طاولة الحكومة، وأن الحلول موجودة على نطاق وطني ومركزي، مضيفاً في اتصال مع «الأخبار»، أن «المسألة في طريقها إلى الحل في المدة المقبلة».
تحرّك العمال، أمس، لا يعتبر التحرك الوحيد في القصرين. فالمحافظة شهدت في الأسبوعين الماضيين موجة احتجاجات للمتعطلين عن العمل، أمام المقار الحكومية، طالبوا فيها بإيجاد وظائف.
وطوال السنوات الخمس الماضية، تواصلت التظاهرات والتحركات المطالبة بالتنمية والتشغيل في القصرين. وعاشت «عاصمة الحلفاء» يوم غضب في 8 كانون الثاني 2014، بمناسبة «يوم الشهيد». سقط آنذاك أحد أبنائها، فيما شهدت باقي أيام الأسبوع الماضي احتجاجات انتقلت عدواها إلى مناطق أخرى في البلاد.
وتعود حيثيات الأحداث الأخيرة إلى أول أيام العام الجاري، بعد تسريب معلومات ووثائق عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تتهم المعتمد الأول في الولاية (المسؤول الثاني بعد المحافظ)، بالفساد والتزوير والتلاعب بقائمة الفائزين بالوظائف العمومية.
رضا اليحياوي، 25 سنة، حامل شهادة دبلوم، خاض مع مجموعة من زملائه نضالات مريرة في سبيل التوظيف. أضرب عن الطعام في مقر الولاية شتاء 2015. إثر ذلك، وُعد بالانتداب في الوظيفة العمومية. كان اسمه ضمن قائمة أُعدّت للغرض. سمع اليحياوي، كغيره، بما يتناقل. لكن هول الصدمة كان كبيراً، حين اكتشف أن اسمه من بين الأسماء التي تم حذفها من قائمة المنتدبين. فأقدم على الانتحار يوم 17 كانون الثاني 2016، وخاصة بعد منعه من دخول مقر الولاية للاستفسار والتعبير عن احتجاجه.
وبعد تشييع جنازة اليحياوي، في 18 الشهر الجاري، انطلقت شرارة الاحتجاجات في مدينة القصرين، وتم إغلاق الطريق الرئيسية بالعجلات المطاطية.
في اليوم نفسه، عزل رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، المعتمد الأول سفيان قربوج كمحاولة لامتصاص غضب الشارع في القصرين. باءت المحاولة بالإخفاق، وخصوصاً بعد توجّه عدد من الشباب المتعطلين عن العمل، في اليوم التالي، إلى مقر الولاية للاحتجاج على ما حدث مع اليحياوي، والمطالبة بحقهم في التوظيف.
عفوية الحراك سرّعت التحاق الناشطين السياسيين به وتبني مطالبه

أما السلطة الجهوية، فحاولت تدارك الموقف عبر التحاور مع تلك الجموع. لكن الشباب الغاضبين أدركوا أن السلطة لا تملك حلولاً جذرية لإشكالاتهم، فانطلقوا في موجة من الاحتجاجات تجسدت بمسيرات عفوية جالت شوارع القصرين، إلى أن أغلقت بعدها معظم الطرقات الرئيسية للمدينة، ما دعا السلطات الأمنية إلى التدخل باستعمال الغاز المسيل للدموع، ومن ثم دارت مواجهات عنيفة بين القوى الأمنية والشباب. تواصل المشهد لمدّة أربعة أيام، واتّسعت المواجهات داخل حدود الولاية، وخارجها، لتعمّ بعدها في غالبية الولايات الأخرى.
وأسفرت التحركات عن زعزعة عرش الحكومة التونسية، التي فرضت حظر تجول ليلي في القصرين. ودفعت رئيس الحكومة إلى تقليص مدة زيارته لأوروبا، ليعلن المتحدث الرسمي باسم الحكومة عن جملة قرارات لمصلحة القصرين، أهمها انتداب 5000 شاب في وظائف عمومية.
لكن القرارات سرعان ما عقّب عليها وزير المال، الذي ترأس الاجتماع الحكومي، مشيراً إلى «أن المتحدث الرسمي اقترف خطأ تواصلياً، فلا نيّة للحكومة لانتداب 5000 شاب من ولاية القصرين».
هذه الإجراءات المرتبكة والمستعجلة، دفعت المتعطلين إلى التوافد إلى مقر الولاية، ثم إلى الإحتجاج مجدداً في شوارع المدينة. وتحولت الاحتجاجات الليلية إلى أعمال عنف استعمل فيها المحتجون الحجارة، وردّ أعوان الأمن بالغاز المسيل للدموع. وأسفرت المواجهات عن مقتل عنصر أمن بالحجارة، وسقوط العشرات من الأمنيين والمئات من المواطنين، الذين تعرضوا لحالات اختناق، وفق مصادر صحيّة.
وفي الوقت الذي عاشت فيه القصرين الاحتجاجات، واصلت الوحدات العسكرية دكّها لجبال الشعاني والسمامة بالمدفعية الثقيلة، بعد رصد تحركات عناصر إرهابية، أرادت استغلال انشغال الوحدات الأمنية والعسكرية بالأحداث، كي تتحرك بحرية أكثر. كما شهدت الجبال اشتباكات بين وحدات من الجيش وبعض الإرهابيين.
هذا الحراك الشعبي الواسع كان عفوياً في أيامه الأولى. لكن سرعان ما التحق به ركب من الناشطين السياسيين الذين تبنوا مطالبه. فـ«الجبهة الشعبيّة» (ائتلاف لأحزاب يساريّة وقوميّة) تبنّت مطالب المتعطّلين، وشاركت قواعدها في هذا الحراك.
كذلك «الاتحاد العام لطلبة تونس» (منظمة نقابية في الجامعات التونسيّة) دعا منخرطيه إلى الاحتجاج. كما أن موقف «اتحاد المتعطلين عن العمل من أصحاب الشهادات الجامعيّة» طالب بإيجاد حلول فوريّة للشباب الجامعيين. أيضاً، ساندت جلّ الأحزاب السياسيّة الناشطة جهوياً، والمنظمات الجهويّة ومكوّنات المجتمع المدني الأخرى، التحركّات الاحتجاجيّة ودعت إلى المحافظة على سلميّتها، وعدم الانزلاق بها إلى العنف.
بالتوازي مع هذه التحركات، كوّن بعض أهالي القصرين لجاناً لحماية المؤسسات الخاصة، بعدما تمركزت وحدات الجيش أمام المنشآت العمومية، قاطعين الطريق أمام من أراد تشويه حراك المنطقة.
وعاد الهدوء، كلياً، يوم الجمعة الماضي إلى المدينة وضواحيها. نظّف الشباب المحتجون شوارع مدينتهم من مخلفات الاشتباكات، لتلوّح المنظمات بإضراب عام بمعتمديات العيون وجدليان، فيما دعا آخرون إلى العصيان المدني في القصرين في الأيام المقبلة.