برلين | اعتمدت المحاولة الأولى للوصول إلى ألمانيا على مساعدة عصابة لتزوير التأشيرات. هي بداية الحكاية، يبتسم محمد بمرارة قبل أن يضيف: «يبدو أن التزوير لم يكن متقناً بما يكفي»، فقد اكتشفت سلطات مطار القاهرة أن التأشيرة «مضروبة». يجلس الفلسطيني الخمسيني في مقهى «الحمراء» العربي في حيّ برينتسلاوربيرغ، في العاصمة الألمانية برلين، وإلى جواره ابنته آمال ذات العشرين ربيعاً.


«آمال هي يدي اليمنى في كل شيء»، يقول محمد، وأيضاً رفيقةُ السجن. فقد أُلقي بالعائلة بكاملها في سجن مطار القاهرة لأسابيع بعد اكتشاف التأشيرة المزورة: الأب محمد والأم والابنة الشابة آمال والبنت الصغيرة التي لم تتجاوز السادسة من العمر. يبقى الفلسطيني لاجئاً في كلّ مكان وزمان، عبارة يردّدها محمد بين العبارات كمسلّمة كونية، لكن صوته يختنق قليلاً حين يقول: «بدلاً من إنقاذ أولادي من الحرب في سوريا أوصَلتُهم إلى سجن مصري».

«حان وقت الرحيل»

كانت العائلة تعيش في سوريا في مخيم اليرموك الذي تحوّل بمرور السنين إلى حيّ عادي يسكنه عشرات آلاف السوريين والفلسطينيين. لم تختلف حياة أفراد العائلة عن حياة أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني كانوا مقيمين في سوريا قبل تفجّر الأزمة فيها: الأب يعمل كاتب عدل في المحكمة القريبة، الأم في المنزل، والابنتان إحداهما في المدرسة والأخرى في الجامعة. عندما أشعل متظاهرون في بداية الحوادث النار في مبنى المحكمة فقد محمد مصدر رزقه الوحيد، وعندما دخل المسلحون إلى المخيم أواخر 2012 وحاصره الجيش السوري فقد محمد إيمانه بأيّ مستقبل له ولأولاده في «وطني الثاني». استخدم الجيش في قصفه للمسلحين المدفعية الميدانية، وهذه «ليست دقيقة في إصابتها»، يقول محمد، أما المسلحون فلم يكن من «شغلة وعملة» لكثير منهم إلا الخطف والسرقات. حاول أن يتعامل مع الواقع الجديد وأن يجد لنفسه دوراً ومكاناً، مرة أراد الوساطة مع زعيم مجموعة مسلحة اختطفت رجلاً عجوزاً لأن ابنته، هو «السنيّ»، متزوجة «من علوي هربت معه من المخيم قبل دخول المسلحين». ليس التسويف أو المنطق الغريب هما ما أثارا انتباه محمد أثناء محاولة التوسّط، بل وجه زعيم المجموعة الذي بدا له من النوع المألوف. «ألم تكن تعمل في مغسل السيارات قرب المحكمة؟»، سأله محمد بعدما تذكّر الوجه الذي طالما غسل سيارته لدى صاحبه. لم يُجب عامل المغسل السابق و«الزعيم» الحالي بل اكتفى بالنظر طويلاً بعيون جامدة إلى محمد. فهم الأخير ما يجب أن يفهمه: ثمة رابحون في الحرب كهذا الزعيم، وثمة خاسرون أيضاً، ومحمد هو من الخاسرين.
الوقت: ربيع 2013، القرار: «حان وقت الرحيل». بداية إلى مصر، وبعد ذلك «الله بيسّر». وستثبت الأيام صحة حدس محمد، ففي نهاية العام نفسه بدأت الأنباء تتوارد عن حالات الموت جوعاً في أوساط من بقي من سكان المخيم، وعددهم لم يعد يتجاوز العشرين ألفاً. «لستُ من أنصار النظام، فقد أمضيت سنوات طويلة كمعتقل سياسي في سجونه... لكن من رأيتُ ليسوا ثواراً. لا يصبح المرء ثائراً لمجرّد معارضته للنظام»، يقول محمد.

«لا يموت المرء إلا مرة واحدة»

«كنّا نتراكض كالمجانين على شاطئ البحر». يروي محمد وهو يسحب نفساً عميقاً من «النرجيلة» في المقهى البرليني، عن عشرات المخلوقات المذعورة، وكأنها خرجت للتوّ من العدم، تعدو باتجاه البحر على شاطئ قريب من مدينة الاسكندرية. رجال ونساء، أصحاء ومرضى، صغار وعجائز، كلّهم يهرولون... يتعثرون ثم يقومون... وكأن طيوراً جوارح تلاحقهم من علٍ. كان قد أُطلق سراح محمد وعائلته من سجن مطار القاهرة قبلها ببضعة أسابيع. إطلاق «مشفوع بأمنية السلطات المعنية» أن تغادر العائلة البلاد في أقرب فرصة. تجمع المأساة السوري والفلسطيني داخل سوريا، لكنها تفرّق السبل بينهما خارجها، فالفلسطيني ووفق التعريف القانوني لا الشعوري فحسب «لاجئ في كل مكان وزمان»، كما يكرّر محمد، وإقامته في دول الجوار كمصر ولبنان والأردن والعراق تحكمها معوقات بيروقراطية وسياسية. «يلتمّ» ابنُ هذا المخيم على ابنِ ذاك في «التغريبة» الجديدة، ويتبلور شيئاً فشيئاً مع قدوم خريف 2013 قرارٌ جديد: «لا يموت المرء إلا مرة واحدة. إما أن ننجح في عبور البحر إلى أوروبا، أو نموت وسط الأمواج»، هكذا تذكر آمال وتتذكّر قرار ركوب البحر. آمال كانت كأبيها من ضمن المخلوقات المتراكضة على الشاطئ في مشهد سبقته مشاهد أُخرى يُشرف على إخراجها مهربون مصريون. أولى الخطوات الاختباء في حقل قريب للقصب في انتظار «التعليمات»، والمختبئون فلسطينيون وسوريون وأفارقة ومصريون يحلمون بالضفة الأخرى، ثم تُطلق شارة السباق مع اقتراب مراكب صيادين صغيرة من الشاطئ، وتبدأ الهرولة نحو القدر الجديد. لا تنفتح «نافذة الفرج» إلا لدقائق محدودة خوفاً من اكتشاف العملية من قبل خفر السواحل المصري، يصل الأقوى والأسرع إلى القوارب الصغيرة ويعود الأضعف والأبطأ إلى حقل القصب في انتظار نافذة أخرى. يسود الخوف قلوب هؤلاء وأولئك، فثمة حكايات يتداولها اللاجئون عن عمليات تهريب تمّ اكتشافها وإطلاق النار على المشاركين فيها من قبل خفر السواحل، لكنه خوف لا يشلّ الأرجل المهرولة لأن سيناريو البقاء في مصر المشغولة بهمومها ليس مطروحاً أصلاً.

«رأيت ابتسامة من معي في القارب»

تمخر القوارب الصغيرة عباب البحر في اتجاه قارب أكبر ينتظر في البعيد. ينتقل بعدها تباعاً حوالى 300 لاجئ إلى القارب الجديد ليأخذهم إلى «بابّور» أكبر بمحرّك ينتظر خارج المياه الإقليمية. الصمتُ والوجوم يتسيدان الموقف حتى وصول القارب الكبير وربطه بحبل بـ «البابّور» في المياه الدولية، فينكسر الصمت. لا يختلف الوضع في «الببّور» كثيراً عن وضع البلد البعيد: ثمة مؤيدون ومعارضون ونقاش كبير، البعض خائف يلعن لحظة مغادرة الوطن والبعض الآخر خائب يلعن لحظة ولد في ذاك الوطن، هناك من يتقاسم آخر كِسرة خبز في جعبته مع الآخرين وهناك من يخفي كميّات كبيرة من الطعام كي يقتات عليها وحده تحت جنح الظلام..


خلف القضبان
المصرية فكّر محمد للمرة الأولى في
حياته بالانتحار

كثيرة هي الشائعات عن جنود من خفر السواحل اليوناني أعادوا قوارب اللاجئين إلى المياه الإقليمية التركية بعدما اعتقد ركّابُها أنهم نجَوا بوصولهم إلى أوروبا، وعن عصابات تهريب تغتصب النساء على الطريق وتخدع اللاجئين بإيصالهم إلى سواحل تقول إنها أوروبية، ليتبيّن بعدها أنهم في ليبيا أو تونس. تبلغ أتعاب المهربين عن «الرأس» الواحد بين 2500 وثلاثة آلاف دولار. لم تكن التكاليف وحدها هي سبب إبقاء محمد لزوجته وابنته الصغيرة في مصر في انتظار ما ستتمخّض عنه المغامرة مع الابنة الكبيرة، ثمة سبب آخر لهذا الإجراء: الدنيا موت وحياة، وبهذه التقسيمة لا ينتهي الأمر باندثار كل العائلة إذا وقع طارئ ما أثناء الرحلة، بل يموت نصف ويعيش نصف. أسبوع كامل قضاه اللاجئون في المياه الدولية، أنزلهم بعدها المهربون قرب المياه الإقليمية الإيطالية إلى القارب المرافق وفكّوا الحبال، واستغرق الأمر أربعة أيام أخرى في متاهة بحرية من دون طعام وشراب قبل أن يكتشف خفر السواحل الإيطالية «الدفعة الجديدة» الأتية من الجنوب. «لحْظتَها...»، يقول محمد،... «رأيتُ ابتسامة من معي في القارب للمرّة الأولى منذ التقيتُهم».
في إيطاليا تتفرق السبل. هذا يشدّ الرحال إلى معارفه في السويد، وهذا ــــ كمحمد وابنته ــــ ييمّم وجهه شطر ألمانيا حيث يعيش أقارب له من مخيمات لبنان، جاؤوا الى برلين منذ أكثر من ثلاثين عاماً. وبين هذا وذاك من يبقى في إيطاليا لا يلوي مبدئياً على شيء، مكتفياً بنجاته من رحلة دفع أكثر من أربعمئة فلسطيني وسوري حياتهم ثمناً لرحلات شبيهة بها، بعد انقلاب قواربهم مقابل جزيرة لامبيدوزا الإيطالية خريف وشتاء 2013. والآن؟ «لا شيء، لا جديد...»، يقول محمد الذي قدم أوراق اللجوء إلى الدوائر الألمانية ويحاول استقدام باقي العائلة، ثم يضيف بلامبالاة: «كنت لاجئاً فلسطينياً في سوريا، ثم لاجئاً فلسطينياً من سوريا في مصر،... والآن أنا لاجئ فلسطيني في أوروبا»!