في خطوة نادرة تخالف طبيعة مرجعية النجف التي تترك عادة السياسة لأهل الحكم وتعبّر في الوقت نفسه عن مدى الخطورة التي بلغتها الأوضاع في العراق، أفتى المرجع علي السيستاني، بالجهاد والتطوع في الجيش لمحاربة وإيقاف تقدم «داعش»، التي أشادت هيئة علماء المسلمين بمقاتليها، واصفةً إياهم بأنهم «ثوار» العراق.


وقال ممثل السيستاني في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي، في خطبة الجمعة أمس، إن «الأوضاع التي يمر بها العراق ومواطنوه خطيرة جداً، ولا بد أن يكون لدينا وعي بقدر المسؤولية الملقاة على عاتقنا، وهي مسؤولية شرعية ووطنية كبيرة». وأضاف: «إن العراق وشعبه يواجهان تحدياً كبيراً وخطراً عظيماً، وإن الإرهابيين لا يهدفون إلى السيطرة على بعض المحافظات كنينوى وصلاح الدين، بل صرّحوا بأنهم يستهدفون جميع المحافظات، ولا سيما بغداد وكربلاء والنجف، فهم يستهدفون كل العراقيين وفي جميع مناطقهم، ومن هنا فإن مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم مسؤولية الجميع، ولا تخص طائفة معينة أو طرفاً معيناً».


أعلن المالكي
بدء الساعة الصفر
في الهجوم على مسلحي «داعش»
وأضاف أن «اندفاع أبناء الشعب في قواتنا المسلحة هو دفاع مقدّس، ويتأكد ذلك بعدما اتضح المنهج الظلامي لهؤلاء ورفضهم للتعايش، وسفك الدماء والاحتراب الطائفي لبسط نفوذهم وهيمنتهم على مختلف أرجاء الوطن».
وقد سارع الآلاف من شباب محافظات كربلاء والنجف والبصرة وميسان وواسط، لتلبية دعوة السيد السيستاني والتطوع في صفوف الجيش.
وفي وقت لاحق من أمس، وفي أول زيارة له للمناطق التي شهدت أعمال عنف خلال الأسبوع الفائت، وصل القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء نوري المالكي، إلى مدينة سامراء جنوب محافظة صلاح الدين، لبحث خطة الهجوم على مسلحي تنظيم «داعش».
وذكر مصدر في قيادة عمليات سامراء أن «المالكي اجتمع فور وصوله بقيادة العمليات والقادة الأمنيين، وعدد من أعضاء الحكومة المحلية في المحافظة»، مضيفاً أن «المالكي أعلن بدء الساعة الصفر في الهجوم على مسلحي «داعش» والتنظيمات المسلحة».
في الجهة المقابلة، وتأكيداً منه لسيطرته الكاملة على مدينة الموصل، أصدر تنظيم «داعش» ما سماها «وثيقة المدينة» فيها، دعا من خلالها إلى هدم المزارات الدينية، مطالباً النساء بالحشمة والستر والجلباب وفقاً للشريعة الإسلامية.
وقال التنظيم، في الوثيقة التي نُشرت في عدد من مناطق محافظة نينوى، إن «موقفنا من المشاهد والمواقد الشركية والمزارات الوثنية، أن لا ندع تمثالاً إلا طمسناه ولا قبراً مشرفاً إلا سويناه»، مطالباً النساء بـ«ارتداء الجلباب الفضفاض وترك الخروج إلا لحاجة، وفقاً للشريعة الإسلامية». وأضاف أنه «يحرم الاتجار والتعاطي بالخمور والمخدرات والدخان وسائر المحرمات».
ورأى التنظيم أن العمل مع الحكومة وفي صفوف الجيش والشرطة «عمالة وردة يقتل أصحابها»، مؤكداً أن «باب التوبة مفتوح لمن يريدها، فقد خصصنا أماكن لاستقبال التائبين».
وأورد تنظيم «داعش» في الوثيقة، مقارنة بين الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق، زاعماً أن «حقبة الدولة الإسلامية هي الأفضل وسيتضح الفرق بينها وبين الأنظمة السابقة».
وقد أثارت هذه الوثيقة حفيظة فصائل مسلحة أخرى تقاتل إلى جنبه، فسارعت هيئة علماء المسلمين إلى إصدار بيان تدعو فيه «داعش»، إلى ضرورة التخفيف من حدة تلك القرارات، ودعت إلى توحد المسلحين على هدف واحد. كذلك دعت الهيئة التي يترأسها حارث الضاري المعارض لحكومة نوري المالكي، إلى إطلاق سراح القنصل التركي والرعايا الأتراك المحتجزين في الموصل.
وأسدت الهيئة في بيان أمس «جملة من النصائح» إلى من سمتهم «ثوار العراق»، معتبرةً في بيانها المطوّل، أنّ «من الخطأ القاتل استعداء دول العالم، ولا سيما دول الجوار، فالثورة ما زالت برعماً يسهل قطعه، ونضرب مثلاً بمشكلة تعترض طريق الثورة الآن، هي مشكلة القنصل التركي المحتجز والرعايا الأتراك المحتجزين معه، حيث ليس في هذا الاحتجاز أي مصلحة للثورة وأبنائها والشعب العراقي قطعاً، مهما كانت الدواعي والأسباب».
أمنياً، مع توقف المدّ «الداعشي»، باتت الكرة في ملعب الحكومة لوضع خطة حماية لبغداد والعمل على استعادة بعض المناطق التي خسرتها. ووضعت السلطات العراقية أمس خطة أمنية جديدة، تهدف إلى حماية العاصمة من أي هجوم محتمل، وتشمل تكثيف انتشار القوى الأمنية فيها، حسبما أفاد المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد سعد معن، موضحاً: «اليوم الوضع استثنائي، وأي عملية تراخي قد تسمح للعدو بأن يحاول مهاجمة بغداد».
وعن إمكانية استقدام قوات من أماكن أخرى، قال معن: «القوة الموجودة في بغداد كافية، ولكن هناك رغبة في الشارع للتطوع» استعداداً لأي هجوم محتمل.
من جهة أخرى، قال مصدر أمني كردي أمس، إن قوات البشمركة فرضت سيطرتها التامة على ناحية جلولاء في محافظة ديالى شرقي العراق، عقب الانسحاب المفاجئ لقوات الجيش والشرطة العراقية الذي تكرر أيضاً في ناحية السعدية القريبة منها.
إلى ذلك، أفادت مصادر محلية أمس، بأن القصف الجوي الذي نفذه الطيران العراقي على مسجد الفاتح، المقر الجديد لمسلحي «داعش»، أدى إلى مقتل 40 مسلحاً وجرح 30 آخرين.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول)