قبل فترة شهد العالم عودة، ولو مجازية، إلى قرية لوبية الفلسطينية المحتلة عام 1948. تناولت العديد من وسائل الإعلام العربية والعالمية الخبر. قالت إن أكثر من ثلاثين ألف فلسطيني أتوا إلى القرية المهجرة وأحيوا ذكرى نكبتهم هناك.

وشاهد على الشاشات المتابعون أن الفعالية تضمنت غناء ودبكة فلسطينية وإلقاء كلمات وقصائد تخص المناسبة، واختتمت «العودة» بنشيد «موطني».

تلك العودة المجازية ربما شكلت نوعاً من التحدي لإسرائيل ووجودها. وكانت تأكيداً أن هناك شعباً عمر مأساته 66 عاماً لم ولن ينسى، ولن يعود عن حقه في العودة.
هذه حقيقة، لكن في المقابل هناك حقيقة أخرى. نرفض في بعض الاحيان كفلسطينيين رؤيتها. وهي أن إسرائيل ككيان لم يعد بالإمكان محاربته بوسائل لن تغير على ارض الواقع شيئاً، ولن تعيد التاريخ ثانية إلى الوراء.
الاحتلال الذي أصبح بعد 66 عاماً من قيامه على أرض فلسطين رابع مصدّر تكنولوجية أنصاف نواقل، وأحد ابرز الرواد في مجالي الاستثمارات والصناعات الثقيلة، لن تهزمه أغنية أو لوحة أو قصيدة، مع تأكيد تأثير هذه الوسائل في الرأي العام العالمي.
يبدو أن خطوات الاحتلال مدروسة بدقة متناهية ولا تكون من دون تخطيط واضح ومدروس. وتكون موجهة من مراكز دراسات وخبراء وإحصاءات دقيقة.
الاحتلال هذا لا تحاربه الرومانسية!
مؤتمر «هرتسليا» وحده، يستحق الوقوف عنده والنظر إليه بعين المتفحص، ومتابعة ما ينتج منه وما يخطط على أساسه. وثمة ادلة على أن الصحافة العربية ومراكز الابحاث العربية والعالمية، تأخذ كل كلمة صادرة عن «هرتسليا» للتحليل، ولكن من دون وضع خطط مضادة. وتبقى تحاليلها على صفحات الجرائد والكتب لا أكثر. كما لا تعني هذه التحليلات الساسة العرب والفلسطينيين في شيء. اذ ان التخطيط الاستراتيجي العربي والفلسطيني لا يتجاوز في أحسن أحواله الخطوات الآنية التكتيكية، التي قد تكون في غالب الاحيان ردود فعل لا تصل مستوى الفعل.
المؤتمر مثال بسيط على ذلك، وهناك أمثلة لو حاول المتابع طرحها لن تنتهي. هذا كله لا يغير من واقع أن إسرائيل قامت على أجساد أبناء الشعب الفلسطيني وشردت الملايين ليكونوا بين ليلة وضحاها لاجئين بلا مأوى أو وطن. ولا يلغي أيضاً أن إسرائيل وظفت لأجلها طاقات دول عظمى لتكون شوكة في حلق الشرق الأوسط لما تؤديه من دور وظيفي لخدمة مصالح تلك الدول.
يبقى أن الحرب مع الاحتلال الإسرائيلي، حرب طويلة الأمد، سلاحها لن يكون البندقية والمقاومة الشعبية فقط، ولا الأغنيات والقصائد واللوحات.وربما يجب الاستفادة من تجربة اليهود أنفسهم، والنظر إلى ما فعلوه بطريقة محايدة قليلاً، كإحدى الوسائل لإعادة بناء الكيان الفلسطيني. بناء يستطيع النهوض بعملية التحرير وإنجاز المتطلبات الوطنية التي لا تخص 11 مليون فلسطيني في الداخل والشتات فقط، إنما تخص أمة عربية وإسلامية وإنسانية كاملة.