حديث مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة «واشنطن بوست» (27/01/ 2016)، في سياق رده على سؤال يتعلق بالسياسة الاسرائيلية المتبعة تجاه تنظيم «داعش»، يثير علامات استفهام كبيرة جداً، ويعيد طرح الموقف الإسرائيلي من هذا التنظيم، رغم كل التصريحات الصادرة عن تل أبيب عن إرهابه وتهديده.
أشار المصدر العسكري إلى أنّ بإمكان إسرائيل أن «تمسح» هذا التنظيم عن الخريطة لو أرادت خلال ساعات معدودة، سواء في الجنوب السوري أو في شبه جزيرة سيناء، إلا أنّه يسأل في المقابل: «ماذا عن اليوم الذي يلي؟». وأضاف شارحاً الموقف إسرائيلي الراهن، أن تهديدات ما بعد، ستكون أكبر من تهديدات ما قبل، ولهذا تنتهج إسرائيل سياسة الردع والاحتواء (تجاه تنظيم «داعش»)، بل وأيضاً «الاتصالات الهادئة».
بالطبع، لم يفسّر المصدر الإسرائيلي الرفيع ماهية هذه «الاتصالات الهادئة» وكيف تدار وما هو مستواها، رغم أن سياق كلامه يعني أن هناك قناة اتصال، مباشرة أو غير مباشرة، بين الجيش الإسرائيلي و«داعش»، تتعلق في حد أدنى «بعدم الوقوع في فهم خاطئ» لتصرفات الجانبين وإجراءاتهما وتحركهما العسكري على ضفتي الحدود، الأمر الذي يشير بدوره إلى وجود اتفاقات ضمنية وهوامش تحرك متفق عليها، وأخرى ممتنع عنها، وإلّا فلا معنى لهذا الاتصال البيني.
بدوره، وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعلون، كان واضحاً في سياق الكلمة التي ألقاها قبل أيام في مؤتمر معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، والتي حدد فيها تهديدات إسرائيل تجاه الساحة السورية، وحصرها تحديداً بـ«المحور الراديكالي» المتشكل من إيران وسوريا (الرئيس السوري بشار) الأسد وحزب الله. وأوضح يعلون أن التهديد المركزي انطلاقاً من الأراضي السورية، يأتي فقط من المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، وليس من منطقة يسيطر عليها المسلحون و«على النبيه أن يفهم». وأكثر من ذلك، يشير يعلون بوضوح تام، في الكلمة نفسها، إلى أنه «إذا كان الخيار بين داعش وإيران، فأنا أقول لكم إنني أفضّل داعش».

غياب «داعش» عن الميدان يُعَدّ من ناحية تل أبيب تهديداً بذاته

وكان لافتاً جداً، ما ذهب إليه التقدير العسكري الإسرائيلي (26/01/2016) الذي حذّر من أن مجريات المعركة الدائرة في الساحة السورية، تشير إلى إمكان إلحاق هزيمة بتنظيم «داعش»، الأمر الذي يعني «نجاح المحور الراديكالي المتشكل من إيران وسوريا الأسد وحزب الله». وبحسب ضباط إسرائيليين: «هذه النتيجة غير جيدة لإسرائيل، وهي تفرض عليها أن تتدخل كي تحرف الأمور عن مقاصدها، وتدفع إلى تغيير النتيجة».
إذاً، إسرائيل لا تقصر موقفها على توصيف مصالحها، بين تهديد إيران وحزب الله وتفضيل «داعش» وما هو قائم مع هذا التنظيم، على «نجاح المحور الراديكالي»، بل تدعو أيضاً إلى الحؤول دون هزيمة «داعش»، وعلى لسان كبار المسؤولين العسكريين في تل أبيب. في هذا الإطار، تشير صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أول من أمس، إلى منبع الخشية الإسرائيلية ودوافعها: «القضاء على داعش في سوريا من شأنه أن يُبقي محور حزب الله وإيران وسوريا أقوى مع الوجهة نحو إسرائيل. أما العالم، الذي سينهي مهماته ضد داعش، فسيختفي مرة أخرى من المنطقة، وتحالف الشر سيبقى مشكلة إسرائيلية صرفة». ما يعني، بكلمات أخرى، أن غياب «داعش» عن الميدان السوري يُعَدّ من ناحية تل أبيب تهديداً بذاته، كما أنه تهديد نتيجة غيابه كوظيفة في وجه أعداء إسرائيل.
إذ، التهديد المتأتي من هزيمة «داعش»، المقدرة إسرائيلياً، لا تقتصر فقط على نجاح «المحور الراديكالي» وتداعيات هذا النجاح، بل أيضاً إمكان أن تؤسس الهزيمة لدفعه إلى شنّ عمليات على إسرائيل في إحدى الساحات أو كلها (الجولان – سيناء والداخل الفلسطيني). نعم، لا مصلحة ولا إرادة لفعل ذلك في هذه المرحلة، من قبل «داعش»، لكن الأمر غير ممتنع مستقبلاً، خاصة إن قربت الهزيمة أو كادت، من هذا التنظيم. في هذا السياق، يرد في التقدير العسكري الإسرائيلي، قبل يومين، أن «داعش» قد يمنى بهزيمة كبيرة جداً في الساحة السورية، الأمر الذي يدفعه إلى توجيه سلاحه نحو إسرائيل وتنفيذ عمليات، طلباً للمشروعية. مع التشديد، في الوقت نفسه، بحسب مصادر عسكرية إسرائيلية (صحيفة «معاريف»، أول من أمس) على أن «إسرائيل ليست على بؤرة استهداف داعش في هذه المرحلة». إذ، إسرائيل معنية ببقاء «داعش» ومنع الحاق الهزيمة به، وتحديداً في سوريا، باعتبارها مصلحة إسرائيلية. لكن كيف يمكنها فعل ذلك؟ سؤال يفتح الباب أمام مروحة من الخيارات النظرية، مع شبه صفر إمكانات عملية، وذلك ربطاً بظروف الساحة السورية وتعقيداتها وتداخل مصالح أكثر من طرف فيها، من شأنه أن يحول دون تحرك إسرائيلي فعلي. وهذا بدوره يعيد طرح الإشكالية التي توصل إليها مؤتمر الأمن القومي في تل أبيب قبل أيام، والتي وصفها بـ«المعضلة الاستراتيجية» أمام إسرائيل، إذ أشار إلى وجوب العمل على بلورة خيارات بديلة (تجاه الساحة السورية) من أجل تصميم واقع مغاير وعدم الاكتفاء بالوقوف بلا حراك، مع تحذير المؤتمر من أن نتيجة الخيارات البديلة ستكون مترافقة أيضاً مع كثير من الشك وعدم اليقين، تجاه الإمكانات والنتائج.
إذن، مصلحة إسرائيل في تغيير المشهد السوري ومنع هزيمة «داعش» والحؤول دون نجاح المحور المعادي لها: سوريا الأسد وإيران وحزب الله. السؤال هو: هل هي قادرة فعلاً على تحقيق ذلك رغم التعذر الواضح؟