أن تتحول المحاكم من أداة لبسط العدل بين الناس إلى وسيلة للظلم والانتقام وأداة من أدوات التسلط، هذه تماماً حال محاكمة القيادي في المعارضة البحرينية خليل المرزوق بتهم محرفة ذات خلفية كيدية، مثل «التحريض والترويج للإرهاب»، على خلفية خطابات جماهيرية ألقاها خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

غداً، تنطق المحكمة الكبرى الجنائية في المنامة بحكم قد يكون نقطة تحول في تاريخ هذا البلد، حيث بدأ النظام بتغليظ عصا الانتقام عبر المحاكمات الشكلية التي تفتقر إلى معايير العدالة وحقوق الإنسان.

القيادي في المعارضة ورئيس دائرة العلاقات الخارجية في جمعية الوفاق المعارضة خليل المرزوق، تحول إلى متهم بنظر النظام الذي حرف خطاب المرزوق خلال مهرجان جماهيري للمعارضة في أيلول 2013. النظام نسج اتهامات مبنية على التحريف حتى أصبح الناشط المعارض فجأة «مروجاً للإرهاب».
استمرت محاكمة المرزوق 8 أشهر لغاية الآن، كان موقف النيابة العامة خلال هذه المادة معادياً للمرزوق ولهيئة الدفاع أيضاً. وعلى الرغم من أن الأخيرة مشكلة من أبرز المحامين البحرينيين، لم تستطع إقناع المحكمة بأن أدولة النيابة العامة مزورة ومحرفة.
وكانت وزارة الداخلية قد استدعت المرزوق في أيلول الماضي لأخذ إفادته بعدما وقعت خلال المهرجان حادثة غير بريئة تماماً، حين صعد أحد المشاركين الملثمين إلى المنصة حيث يلقي المرزوق خطاباً وسلمه راية «ائتلاف 14 فبراير». المرزوق ردّ على أسئلة الداخلية بشأن الحادثة، مؤكداً أنه يرفض أن يحمل علماً غير علم البحرين. وقد انتهى اللقاء إلى تفهم رئيس الأمن العام الملابسات المحيطة بالحادثة، وإغلاق الموضوع. بعد خمسة أيام، استدعت الأجهزة الأمنية المرزوق للتحقيق الذي تركز على هذه الواقعة لينتهي بقرار سجنه 30 يوماً على ذمة التحقيق. المفاجئ أن لائحة الاتهام أوردت تهماً من نوع «التحريض والدعوة إلى ارتكاب جرائم إرهابية».
عرف المرزوق بتمسكه بالدعوة إلى السلمية واللاعنف في البحرين في خطاباته، حتى في ذلك الذي سبق اعتقاله. كذلك، إن المرزوق هو مهندس «وثيقة اللاعنف» التي أعلنتها قوى المعارضة البحرينية، داعيةً السلطة إلى التزامها بدلاً من قمع الشعب.
وبناءً على إفادات الشهود يبدو أن القضية فصلت بشكلٍ مدبر بهدف الوصول إلى العقوبة لسحب الجنسية كجزء من تفعيل «توصيات المجلس الوطني» الذي عقد في آب 2013 وطالب بتشديد العقوبة وسحب الجنسية ممن سموهم «محرضين على الإرهاب»، في إشارةٍ إلى المعارضة الوطنية الديموقراطية.
في القضية المرفوعة على المرزوق، لا تتخذ المحكمة دليلاً على إدانته سوى خطبه. إذ حين سأل الناشط البحريني عن دليل واحد لاتهامه بالتحريض على العنق والإرهاب والتفجيرات، ردت النيابة العامة «لقد استنتجنا ذلك من خطبك»!
فكأن العقيدة الأمنية والقضائية لدى أجهزة الدولة تعد مصطلحات مثل «ثورة» و«نضال» و«انتفاضة»، تحريضاً على الإرهاب.
إلى ذلك، تحوّلت محاكمة المرزق إلى ما محاكمة للنيات. حيث جرى تحوير العبارات وإعطائها تفسيرات من جانب سلطات التحري والتحقيق بما يخدم القضية، فجاء في محضر تحريات أحد شهود الإثبات بأن المرزوق «يقوم بالتلاعب بالألفاظ من حيث الثورة والمقاومة والنضال ويلحقها بعبارة السلمية، كما يدعوهم للمشاركة في الحراك، ويقصد من الحراك أعمال العنف التي يقوم بها الإرهابيون». فكيف تأخذ المحكمة بشهادات تحلل وتفسر خطب المرزوق بما يخدم الإدانة.
كذلك جاء سؤال من وكيل النيابة للمرزوق، أثناء التحقيقات، عن قصده حين استخدم عبارة «المقاومة المدنية»، فكان جواب المرزوق: «هناك أساليب تبتعد عن العنف مطلقاً وتستخدم من الحركات المطلبية بتحقيق مطالب مشروعة وأمثلة على ذلك حركة غاندي ومارتن لوثر كينغ ومانديلا وكثيراً من الإصلاحيين الذين حققوا من تلك الأساليب تطلعات شعوبهم». ثم سأل وكيل النيابة المرزوق عن قوله: «المقاومة المدنية التي لم يتعود عليها أحد»، فرد بأنه كان يقصد أن «شعب البحرين بوعيه وذكائه سيقوم بتطوير هذه الأساليب في إطارها السلمي ولم تكن مستخدمة من قبل».