غزة | أحد عشر يومًا مرت على اختفاء ثلاثة مستوطنين ولا تزال اليد الإسرائيلية فارغة. من هنا بدأ الإسرائيلي يتململ تحت ضغط الموازنة ويتحدث عن قرب إنهاء العملية، بعدما لم يمسك أي طرف خيط من شأنه أن يفكّك ألغازها. مع هذا يمكن لإعلانه وقف حملته أن يشبه الطعم كي يريح المنفذين من بعض الإجراءات، وهو ما يمكن أن يقود إلى كشفهم. بطريقة ما استطاع الاحتلال خلق ذرائع قويّة لتوجيه ضربة موجعة ضد «حماس» المفتقرة أصلا إلى أي بنية تحتية منظّمة وقوية في الضفة المحتلة. وهكذا أيضا نجحت تل أبيب في الخروج من مأزق المفاوضات المتعثّرة وشبح العزلة الدوليّة من جراء الاستيطان ومقاطعة منتجاتها، ووجدت سيفًا آخر لتحارب به المصالحة الفلسطينية.


برغم ضغط تل أبيب الكبير الذي يقوده بنيامين نتنياهو على رام الله، يرى بعض المراقبين أن الظرف الراهن قد يكون مواتيا لإعادة المياه إلى مجاريها بين الجانبين، وتكرار تجربة العلاقات التي توطدّت بين رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود أولمرت، ورئيس السلطة محمود عباس، وذلك بعد تصدّع العلاقات ما بين «حماس» و«فتح» وانهيار «اتفاق مكة»عام 2007، ما حذا بالطرفين إلى إطلاق مفاوضات مؤتمر «أنابوليس»، والاتفاق على خريطة طريق تجرّد بموجبها الدولة الفلسطينية من سلاح المقاومة باستثناء القوى البوليسية.
على طرف مقابل، لا يرجّح الكاتب والمحلل السياسي، أكرم عطاالله، تكرار ذلك السيناريو، عازيا السبب إلى عدّة اعتبارات، أهمها «اختلاف الظروف الموضوعية بين عهدي أولمرت ونتنياهو، فالأول سوق نفسه للعالم على أنه رجل سلام، ولم يمانع مناقشة قضية القدس، على عكس نتنياهو، الذي رفض الاتصال هاتفيًّا بعباس منذ 2012، لكن عملية الخليل أجبرته على ذلك». وأضاف عطاالله لـ«الأخبار»: «لا يمكن إغفال أن الأجواء بين فتح وحماس كانت محتدمة آنذاك على عكس المرحلة الراهنة». متوقعًا استمرار المصالحة برغم الضغوط الشديدة على «حماس» تحديدًا، «لأن قرار المصالحة ليس بيد الخصمين السياسيين بقدر ارتباطه بالمتغيرات على الساحتين العربية والدولية، فضلًا على أن بديل المصالحة هو الفراغ الإداري في غزّة».


«حماس» ترفض ربط المصالحة بعملية الخليل أو استمرار المقاومة


قرار اللاعودة عن المصالحة عزّزه القيادي في «حماس» والنائب في المجلس التشريعي يحيى موسى، الذي قال: «الانقسام الفلسطيني انتهى إلى الأبد، ولا رجعة عنه»، رافضًا في حديثه لـ«الأخبار» ربط المصالحة بعملية الخليل. وتساءل موسى: «هل من شروط المصالحة الاستسلام للاحتلال؟... إذا قاومنا الاحتلال نهدد بالرجوع إلى الانقسام؟»، مؤكدًا أن المصالحة عند «حماس» صارت بمنزلة قضية إستراتيجية، «لكننا سنصوب مسار القيادة في حال انحراف بوصلة الصراع».
التوجّه السائد عند «فتح» لا يختلف عن نظيرتها، وهذا ما يعبر عنه عضو المجلس الثوري للحركة، أمين مقبول، بقوله: «المصالحة خيار استراتيجي ولن تحيد فتح عنه»، مشيرًا إلى أن المنظومة العامة للمصالحة لن تتأثّر بأي خلافات بين الحركتين. ويضيف مقبول لـ«الأخبار»: «هناك خطوات مهمة تحتاج إلى حسم بعد تجاوز مدة حكومة الوفاق، لكننا نتمنى ألا تقدم حماس على تصرفات غير مسؤولة تعكّر الأجواء الإيجابية».
برغم تمسّك «حماس» بأرفع خيوط المصالحة، وعدم تبنيها عمليّة الخليل، فإن الاحتلال يصر على توجيه أصابع الاتهام إليها بغية نيل قبول دولي بنزع سلاح المقاومة من قطاع غزّة، وتحديدًا سلاح كتائب القسام، الذي يندرج تحت لوائه حوالى 20 ألف مقاوم، ما يعني أن العين الإسرائيلية ليست مقتصرة على الخوف من نموّ الحركة في الضفة بقدر تصويبها على غزّة والقضاء على القدرة العسكرية في المواجهة.
بشأن التهديد بإبعاد قادة «حماس» إلى غزة أو خارج فلسطين، يكفي التذكير بأن الحركة ذات التنظيم الهرمي المعقّد والمرتبطة بعدّة خلايا لم تنجح سياسة إبعاد قادتها منذ تأسيسها عام 1987 في تطويق أنشطتها وإبطال مفعولها العسكري، بل هي استغلت تلك الحالة وفتحت علاقات مع الساحتين اللبنانية والإيرانية. عند هذه النقطة، يقول المحلل السياسي نشأت الأقطش: «غياب أعضاء المجلس التشريعي من حماس داخل السجون يمهد لانطلاق قادة شبان، كما يمتّن الكتلة الصلبة في الحركة التي لم تتمكّن إسرائيل من كشفها حتى اللحظة». يختتم الأقطش لـ«الأخبار»: «اعتقال القادة السياسيين لا يؤثّر بتاتا على الخلايا العسكريّة التي قد تتكوّن من بضعة أفراد منغلقين».
تبقى المخاوف من أن مسؤولية «حماس» عن عمليّة الخليل وما قد يمهد لعملية موسّعة في غزّة يهدد المصالحة بصورة كبرى، في ظل المواقف التي أعلنها عباس. أما في الضفة، فالحركة تعرّضت لحملة استنزاف كبيرة في مواردها المالية والبشرية، من جراء عملية «السور الواقي» عام 2002، ومنذ ذلك اليوم، وهي تعاني صعوبة إعادة ترتيب الأوراق. لاحقًا جاء دور رام الله والأجهزة الأمنية، التي استغلت سنوات الانقسام لتجّفف ما بقي من منابع «حماس» الماليّة، وتدمّر آخر أجزاء من بنيتها التحتيّة الملموسة عبر إغلاق جمعياتها الخيرية ولجان الزكاة التابعة لها، وصولًا إلى الحملة الإسرائيلية الأخيرة.
هنا يعلّق عطا الله: «ما يجري الآن لا يندرج ضمن مخطط اجتثاث حماس بقدر ما هو لشراء رضى الشارع الإسرائيلي. وما يبرهن على ذلك أن الحركة استطاعت في ظل هذه الحملة حشد تظاهرات في الضفة تضامنا مع الأسرى المضربين عن الطعام، كما حلّت في المرتبة الثانية على مستوى الانتخابات الطلابية في جامعاتها برغم التضييق على أنشطة ذراعها الطلابية واعتقال عدد كبير من كوادرها».