غزة | كما لا يمكن الربط مباشرة بين عملية أسر ثلاثة مستوطنين في مدينة الخليل وتعليق إضراب الأسرى الفلسطينيين، لا يمكن أيضاً فصل الظرفين المتزامنين أحدهما عن الآخر. صحيح أن إضراب الأسرى الذي استمر أكثر من 64 يوماً سبق العملية التي حدثت قبل أسبوعين، لكن الأخيرة سرقت «الوهج الإعلامي» من الإضراب الجماعي الطويل، ما أثر في مجريات الإضراب ونتائجه بالضرورة.

كان من نتائج الحملة العسكرية الإسرائيلية في الضفة المحتلة أنها اعتقلت مئات الفلسطينيين على بند السجن الإداري الذي كان يحاربه الأسرى بإضرابهم، ما عمّق صعوبة حل الملف وأدى إلى الخروج بأقل النتائج، مع الإشارة إلى أن الإضرابات الجماعية في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية لا تصل إلى اليوم العشرين حتى تبدأ قطف الثمار، عدا هذا الإضراب الذي طال فوق المتوقع.

كي لا تظلم عذابات الأسرى، وحتى تظهر البنود التفصيلية للاتفاق مع إدارة السجون الإسرائيلية، من المهم البحث في الرابط بين عملية الأسر وتعليق الإضراب.
في الوسط الإسرائيلي ظهر أن المعارضة تحمّل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية ما جرى، وأن نتنياهو «بسبب تعجرفه عرّض حياة ثلاثة شبان للخطر». من هنا جرت المطالبة بتخفيف الضغط عن الأسرى لعلهم يعرفون مصير المستوطنين الثلاثة.
في المقابل، علق نتنياهو على فك الإضراب بالقول إن حكومته «اتّبعت سياسة واضحة أدت إلى هذه النتيجة المهمة»، مضيفاً أنها «ستتخذ إجراءات أخرى كفيلة بخفض عدد إضرابات السجناء في المستقبل». وهنّأ نتنياهو، أمس، كلاً من وزير الأمن الداخلي إسحاق أهرنوفيتش، ومفوّض مصلحة السجون «على ما أبدياه من أداء حازم أفضى إلى انتهاء الإضراب».
بدوره، قال أهرنوفيتش: «منذ بداية الإضراب حددنا سياسة واضحة أساسها الحفاظ على حياة البشر من جهة، ومنع الخضوع للتسويات من جهة أخرى». ورأى أهرنوفيتش أن إنهاء الإضراب من دون إنجاز، خصوصاً في ما يتعلق بسياسة الاعتقال الإداري، «نقطة مهمة لثبات دولة إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها بكل الوسائل، ومن بينها الإداري عندما تحتاج إليه».
كذلك، شددت المتحدثة باسم مصلحة السجون، سيفان وايزمان، على مواصلة سياسة الاعتقال الإداري «في حال اقتضت الضرورة». وأوضحت وايزمان أن هذا الاتفاق قصير الأمد.
في هذه الأثناء، توصل ممثلون عن حزب «الليكود بيتنا» و«هناك مستقبل» إلى تسوية في ما يخص الخلاف على مشروع القانون الذي سيجري بموجبه إطعام السجناء الأمنيين المضربين عن الطعام قسريّاً. ولن يكون ممكناً، وفق تلك التسوية، إطعام سجين قسريّاً في حال وجود ضرر على صحته «إلا في حال وجود خطر كبير على حياته أو تعرضه لإعاقة شديدة». وهناك تغيير آخر تضمنه مشروع القانون ويتعلق بالأطباء الذين اعترضوا على الإطعام القسري، وهو ألا يُفرض على الأطباء الإطعام القسري إن كانوا لا يوافقون على فعل ذلك».


علم الأسرى
منذ بداية إضرابهم
أنهم لن يوقفوا
الاعتقال الإداري
ونجحت كتلة «هناك مستقبل» بداية الأسبوع (الأحد) في ممارسة ضغط على نتنياهو لمنع المصادقة على قانون الإطعام القسري في الكنيست. بسبب هذه الضغوط جرى تأجيل الجلسة المتعلقة بالموضوع إلى الأسبوع المقبل، وعلى ما يبدو فإن التصديق على القانون سيكون الاثنين المقبل، لكن ليس بصيغته الأولى.
هذا هو الحديث العبري الرسمي. مع ذلك، يمكن أن تكون آراء المعارضة الإسرائيلية قد خلقت ورقة ضغط على مصلحة السجون لإنهاء الإضراب، لكن ما يصعب هذا السيناريو استمرار الإضراب لأسبوعين بعد العملية. هنا يبقى اقتران الاتفاق مع الحديث عن إنهاء الحملة العسكرية أو تخفيفها يحمل رابطاً واضحاً.
في النتيجة، علّق الأسرى الإداريون إضرابهم بعد الاتفاق على عدة بنود تتمثل في وقف تمديد الاعتقال الإداري لزمن مفتوح، وفي حال كان هناك تمديد ألا يتجاوز العام، ودون ذلك يجب تقديم قضية ومحاكمة وليس ضمن ملف سري.
على الصعيد الفلسطيني، يرى الكاتب الفلسطيني حسام الدجني أن ما حققه الأسرى يبقى إنجازاً كبيراً، «فالاحتلال لم يتحرك إلا بعد إضراب الأسرى وإيصال معاناتهم إلى العالم». ويقول لـ«الأخبار»: «في ظل غياب أي تبنّ من الفصائل الفلسطينية لعملية الخليل... لا شك في أن العملية كان لها تأثير واضح في إتمام هذا الاتفاق». ورجّح الدجني أن يكون أحد الدوافع الإسرائيلية إلى توقيع الاتفاق فشل الأخيرة في التأثير في الرأي العربي والدولي والاعتراض الذي سيواجهه في حال أقرّ قانون التغذية القسرية، «كذلك من المحتمل أن يكون هذا الاتفاق لتغطي تل أبيب على هذه الطريقة النضالية بالإضراب».
أما من جهة الأسرى، فيبدو أن عامل الزمن كان حاسماً في حسم قرارهم وتعليق الإضراب، وذلك لجانبين: الأول طول أيام الإضراب الذي كان قد دخل شهره الثالث، ومجيء شهر رمضان الذي يلتزم المسلمون فيه الصوم والإفطار عند ساعة الغروب للحرص على صحة تطبيق العبادة. وجاء في بيان الحركة الأسيرة الذي نقله نادي الأسير: «في غمرة الأحداث وهذا العدوان السافر على أهلنا، وبعد عدة لقاءات مع قيادة استخبارات السجون، ورحمة بأهلنا وأسرانا قبيل رمضان، وبعد 63 يوماً، قررنا تعليق إضرابنا». وأشار البيان إلى أن الإعلان عن تفاصيل الاتفاق سيكون بعد خروج المضربين الذين تدهور وضعهم الصحي من المستشفيات.
أما المحلل السياسي، محمد حجازي، فأكد أن «رضوخ إسرائيل لمطالب الأسرى انتصار لهم»، لافتاً إلى أن تقييد مدة الاعتقال الإداري المفتوح إنجاز كبير. وقال حجازي لـ«الأخبار»: «سياسة الأسر نظام متواصل. فبعد أي عملية تعتقل إسرائيل مئات الشبان»، في إشارة إلى ارتباطها بالحالة الفلسطينية النضالية، ما يعني أن الإضراب لن يمنع هذه السياسة كليّاً بقدر ما أنه يخفف نتائجها.