تتضح، أكثر فأكثر، السياسة الأردنية التي تقرّر اتباعها إزاء الخطر الداهم الذي تمثله «الدولة الإسلامية في العراق والشام».

تقوم هذه السياسة على مسارين: (1) اتخاذ خطوات عسكرية وأمنية كثيفة على أساس تقني من دون تحشيد سياسي أو حتى إعلامي؛ (2) السعي إلى التهوين من ذلك الخطر على الأردن، والدفع بالنخب والمواطنين إلى «الاطمئنان»، وحتى الانشغال بمناقشات محلية ثانوية.

هناك ثلاثة دوافع تحكم مثل هذه السياسة، هي: أولاً، الغياب الأردني شبه الكامل عن مجرى تشكّل السياسات الإقليمية والدولية وتطوراتها، فيما فقد النظام الأردني أي قدرة على اتباع النهج المستقل لتحديد مصالحه الاستراتيجية والمبادرة إلى الدفاع عنها؛ وثانياً، عقلية البزنس التي تعتقد بأن تحريك السياسة الداخلية والخارجية في مواجهة الأخطار، ستضر بالاستثمارات والتجارة الخ؛ وثالثاً، نهج صناعة القرار في الغرف المغلقة، ورفض المشاركة الوطنية.
هذه السياسة ليست فقط عقيمة، بل وهمية أيضاً؛ فعلى مستوى الصراع الدائر في المنطقة، تشكل «داعش» خطراً حقيقياً كبيراً وداهماً على الجبهة الأردنية أيضاً؛ وذلك للأسباب الآتية:
أولاً، تتحرك «داعش» بين نارَي أزمتين وطنيتين وحربين في كل من سوريا والعراق المجاورتين. وهي تمثل عاملاً رئيسياً في هاتين الأزمتين ـ الحربين، ولكنها تعمل في إطار حربها الخاصة القائمة على مزدوجة القبلية والتطرف الديني في إطار جيوسياسي واضح هو إقليم بادية الشام الكبرى، الممتد عبر أربع دول هي سوريا والعراق والأردن والسعودية. ومن الواضح أن هناك فارقاً بين شعاراتها التي تتحدث عن دولة تشطب الدول، وبين خططها الفعلية للاستيلاء على إقليم محدد وإنشاء دولة جديدة انفصالية تشمل الجزيرة السورية والموصل والبادية السورية والعراقية والأردنية وجزءاً من امتدادها السعودي،
ثانياً، «داعش» ليست جزءاً من حركة السلفية الجهادية المعروفة القائمة على شبكات تنظيمية عقائدية أممية الطابع، مما اعتادت أجهزة الأمن الأردنية والإقليمية والدولية، التصدي له؛ إنها حركة محلية انفصالية تحفّز تحالفات قبلية، وتستند إليها في التعبئة والتجنيد والنفوذ،
ثالثاً، بذلك ينبغي النظر إلى «داعش»، باعتبارها تحدياً له سياق خاص مختلف عن التحديين السياسيين ـ الأمنيين، السوري والعراقي؛ ذلك ما تفشل عمان، حتى الآن، في قراءته، والتعامل معه، ما يفسح في المجال أمام «داعش» للتمدد الداخلي من مناطق اجتماعية ـــ سياسية «مأمونة»،
رابعاً، وفي إطار استراتيجية مصممة، ركزت «داعش» على استقلالها بحواضن اجتماعية خاصة بها، خارج عن بنى الدول الوطنية والحركات الإسلامية معاً، وكذلك استقلالها بموارد مالية وتسليحية تغنيها عن الدعم السعودي والخليجي. إنها تسيطر اليوم فعلاً على حقول نفطية ومدن غنية وفي حوزتها أكثر من ملياري دولار وأسلحة أميركية حديثة غنمتها من الجيش العراقي؛ كل ذلك، يزيد من قدرتها على تكوين حضور، قد يكون مفاجئاً، في ميدانها الأردني.
عمّان ـــ التي تراجع دورها الإقليمي منذ رحيل الملك حسين، حتى انطفأ ـــ غائبة، كلياً، عن حركة الصراعات والتسويات في السياسة الإقليمية والدولية؛ يزيد الطين بلة، بالنسبة إليها، ذلك العجز عن فهم أهمية الموقع الجيوسياسي الأردني والقوات المسلحة الأردنية في مواجهة خطر «داعش»؛ فلدى استكمال التسويات ـــ بما فيها الملف النووي الإيراني ـــ سيتلاشى الخطر الاستراتيجي لـ«داعش »، وتتحول إلى مشكلة أمنية ـــ عسكرية يسهل حلها. هنا، سيكون على الأردن أن يؤدي دوراً، إنما من دون أن يكون شريكاً في اللعبة السياسية؛ هل قنع المسؤولون الأردنيون بهذا الدور المجاني منذ الآن، ولذلك بدأت الحرب مع «داعش» بلا أي غطاء سياسي؟
ما يدعو للسخرية أن إسرائيل الفاشلة حتى في التوصل إلى أي معلومات مؤكدة عن ثلاثة إسرائيليين مخطوفين، تبيع أطروحة حماية النظام الأردني في مواجهة «داعش». في الواقع، الوضع معكوس تماماً؛ فالنظام الأردني هو الذي يوفر الحماية لإسرائيل التي لا يزيد عمق«ها» الاستراتيجي في فلسطين المغتصبة على 65 كلم من الغور حتى البحر المتوسط، بالإضافة إلى أن كل منظومتها الأمنية والعسكرية ـــ على قوتها ـــ تتشكل في بنى عاجزة عن التصدي للأخطار النوعية التي تتشابك في المنطقة. من دون تعاون أمني أردني ستكون إسرائيل مكشوفة تماماً على كل الجبهات؛ ومع ذلك، فهي تتبجح وتصعد في الضفة الغربية وغزة والجولان، في رسالة اعتراض على تهميشها في التسويات الأميركية ـ الإيرانية، الروسية ـ السعودية، الجارية. وهي ستختتم مساراً حوّل «كامب ديفيد» و«وادي عربة» و«أوسلو » إلى المتحف.
أمام عمّان وقت قصير للغاية للقيام باستدارة ذاتية، تتجلى في مبادرات نوعية لمصلحة سوريا والعراق وفلسطين، ليس، فقط، لكي تضمن لها مقعداً ـــ ولو متأخراً ـــ في الوضع الإقليمي الناشئ عن الصراعات والتسويات، بل أيضاً للحيلولة دون انبثاق «داعش » من قلب التركيبة الأردنية المواتية.