طوّرت إسرائيل قراءتها للواقع الميداني في الساحة السورية، في أعقاب النجاحات التي لا يمكن حجبها، للجيش السوري على طول الجغرافية السورية. استعادة مدينة الشيخ مسكين، تحديداً، وهي تبعد ما يقرب من عشرين كيلومتراً من الحدود الجولان المحتل، دقّت ناقوس الخطر لدى الإسرائيليين، ودفعتهم إلى الإقرار بأن مقاربتهم الابتدائية العلنية للتدخل الروسي في سوريا، ترجيح فشله، كانت مقاربة خاطئة ومتسرعة.
الموقف الإسرائيلي جرى تظهيره أمس، عبر صحيفة «هآرتس»، التي كشفت عن قلق خاص لدى تل أبيب، من اقتراب الجيش النظامي وتكثيف الغارات الروسية في الجنوب السوري، وتحديداً ما يتعلق بإمكان انتقال «عدوى» الانتصارات إلى هذه المنطقة، ما من شأنه أن يقلب المعادلات الميدانية القائمة، وأن يقوّض بحسب تعبيرها، «الاستقرار النسبي بالقرب من الحدود الإسرائيلية».

الروس مع طائراتهم ينزاحون تدريجاً باتجاه الجنوب

تقديرات المؤسسة الأمنية في تل أبيب، كما تشير الصحيفة، تؤكد نجاح التدخل الروسي والغارات الجوية التي جاءت مكثفة ضد المعارضة السورية، وهو الأمر الذي أدى «إلى استقرار الخطوط الدفاعية للنظام السوري»، بل وأيضاً إلى نجاحاته في أكثر من منطقة احتكاك مع المعارضة.
وأشارت الصحيفة إلى أن استعادة الجيش السوري لمدينة الشيخ مسكين، تحديداً، «تزعج» الدولتين الجارتين في الجنوب، إسرائيل والأردن. فمن ناحية إسرائيل، يعدّ هذا الإنجاز إشارة إلى أن الروس لن يكتفوا بالتدخل العسكري إلى جانب الجيش السوري في الشمال والغرب، بل سيتمددون أيضاً باتجاه الجنوب، وذلك خلافاً للتقديرات الإسرائيلية الابتدائية، بأنهم سيركزون ضرباتهم الجوية شمالاً، «لكن الروس مع طائراتهم ينزاحون تدريجاً باتجاه الجنوب، ويقتربون أيضاً من الحدود الإسرائيلية. أما لناحية الخشية الأردنية، فتتعلق بإمكان نزوح جماعي لجماعات المتمردين إلى داخل أراضي المملكة، وتحديداً جماعات متشددة مثل «جبهة النصرة»، الفرع السوري لتنظيم «القاعدة».
كذلك فإنّ إسرائيل قلقة، تلفت «هآرتس»، أيضاً إلى إمكان تعامل الجيش السوري مع مدينة الشيخ مسكين، كمنصة انطلاق لشن هجمات إلى الغرب من المدينة، و«إذا قررت الحكومة السورية، بتشجيع من الروس والإيرانيين فعل ذلك، وشن هجوم على المتمردين في مرتفعات الجولان، فقد يسبب ذلك تقويض الوضع القائم على الحدود الإسرائيلية». وأشارت إلى أن إسرائيل تعمل إلى جانب الخطوط الحمراء للساحة السورية (منع تهريب الأسلحة المتطورة إلى حزب الله في لبنان)، منع إقامة «جيب» للحرس الثوري الإيراني بالقرب من الجولان الشمالي والحد من وجوده.
ولفتت الصحيفة إلى أن سلاح الجو الروسي وجّه قبل شهرين ضربات «للمتمردين» في وسط الجولان السوري، وإحدى الطائرات خرقت من طريق الخطأ الحدود إلى الأجواء الإسرائيلية، الأمر الذي دفع الجيش الإسرائيلي إلى تحذير المقاتلة الروسية التي عادت أدراجها، و«في الجيش الإسرائيلي يستثمرون كثيراً من الجهد للحفاظ على آلية التنسيق بين الجانبين، من أجل تجنب سوء الفهم وعدم تكرار ما حدث على الحدود التركية السورية في شهر تشرين الثاني الماضي، رغم أن الحادث كما يبدو كان مقصوداً من قبل أنقرة».
ولجهة إمكان الرهان على الخلاف الروسي ــ الأميركي حول الساحة السورية، تلفت «هآرتس» إلى أنه رغم الخصومة والخلاف بين الجانبين، إلا أنهم «في إسرائيل يرون أن أميركا وروسيا أوجدتا مجالات للاتفاق حول الحرب السورية، وهما تعملان على تجنب المواجهة المباشرة بينهما، ويبدو أن الولايات المتحدة تعترف، من دون أن تملك خياراً، بالمصالح الروسية في سوريا».
وتنتقل «هآرتس» لتقويم مؤتمر جنيف وتستبعد إمكانية نجاحه، إذ إنه جاء مصحوباً بالكثير من النقاش حول هوية المشاركين وغيرها من المعضلات، «لكن حتى لو جرى التوصل إلى اتفاق في وقت لاحق لإنهاء القتال في سوريا، إلا أنّ من الصعب أن نرى كيف يمكن فرض هذا الاتفاق وتنفيذه، نظراً إلى العدد الهائل من التنظيمات (المعارضة) والجهات الخارجية المتدخلة في الساحة السورية».