أيام قليلة وتنتهي الحكومة السابقة في غزة، التي تديرها حركة «حماس»، من المرحلة الأولى من تنفيذ «مشروع الجمعيات الإسكانية»، الذي أقرته لمنح أراضٍ وعقارات لموظفيها بدلاً من مستحقاتهم المالية المتراكمة عليها، وتقضي هذه المرحلة بتسجيل الموظفين ضمن «الحاسوب الحكومي» لحصر قيمة مستحقاتهم، ثم تبدأ المرحلة الثانية بحصر الديون المتعلقة للبلديات وشركة الكهرباء والقروض البنكية وحسمها من المستحقات، ثم توزيع كل وفق ما يبقى له من أموال متراكمة.
أسباب عدة أضعفت إقبال الموظفين على التسجيل في المشروع، وتقول الأرقام إن 37% من الموظفين (14897 موظفاً من إجمالي 45 ألفاً) هم الذين سجلوا ضمن المشروع وفق سلطة الأراضي. تأتي هذه النسبة برغم علم الموظفين أن «حماس» لن تستطيع دفع مستحقاتهم نقداً، لا حالياً ولا في المستقبل القريب، بل حتى في حال تشكيل حكومة وحدة وطنية كما يشاع أخيراً. أول المسببات التي تقف وراء ضعف الإقبال، استثناء نسبة عالية من أصحاب الدخل المتدني من الموظفين، نظراً إلى حصولهم على النسبة الأعلى من رواتبهم شهرياً التي تصرف بصورة جزئية، ولكن هؤلاء يكونون قد حصلوا على 100% من راتبهم (خاصة ما بين 1200 شيقل ــ 1800 شيقل، 300 دولار ــ 450 دولاراً)، وهذه الفئة تقدَّر بـ18 ألف موظف (40% من الموظفين).
أما السبب الثاني في عزوف البقية، فهو الغموض الذي يحيط بتنفيذ المخطط وإنجاحه في المستقبل القريب بعد انتهاء مراحله الثلاث، ومن جانب آخر ارتفاع أسعار الأراضي المطروحة مقارنة مع الأراضي الطابو، فالأراضي الحكومية تعود ملكيتها إلى الدولة (الحكومة)، وهي التي تستطيع التحكم بأسعار الأراضي حصراً، وهو ما صدم الموظفين بعد إعلان ذلك، ما يعني أنهم لن يتحكموا بسعرها.

نحو 40% من موظفي غزة من ذوي الأجور المنخفضة ومستحقاتهم صغيرة

وتراوح أسعار الأراضي التي أعلنتها لجنة التثمين الحكومية، المكونة من وكيل وزارة المالية يوسف الكيالي ووكيل وزارة الاتصالات سهيل مدوخ ورئيس سلطة الأراضي إبراهيم رضوان، ما بين 90 ديناراً أردنياً لكل متر مربع، إلى 740 ديناراً (120 دولاراً إلى 1057 دولاراً)، لكل متر مربع، وهي أسعار لا تتناسب مع سوق الأراضي في هذه الأيام، وتكاد تكون متقاربة مع أسعار الأراضي التي يمتلكها المواطنون، ما سيُصعب عمليات البيع في المستقبل مع احتمالية خسارة الموظفين إذا تراجعت أسعار الأراضي في ظل العرض الكبير المتوقع وقلة الطلب.
هذه الأسباب أربكت جموع الموظفين المحاصرين بمدة زمنية محددة للاستفادة من المشروع، فحوصروا بين فكَّي الأسد وسندان المغامرة مع الزمن، مع أنه لا يجب نسيان أن كثيرين من موظفي حكومة غزة يعانون تراكم الديون عليهم بسبب طول أزمة رواتبهم، أو قروض المرابحة التي حصلوا عليها من البنك الوطني الإسلامي التابع للحركة، فضلاً عن تراكم ديون الكهرباء والماء والبلديات، وكلها أسباب ستعرّض مستحقاتهم «للحسم الكبير» ويحرمهم الاشتراك في أراض بمواقع استراتيجية، فضلاً عن أنهم يتمنون الحصول على أموال نقدية لسداد ديونهم بدلاً من أرض لا يستطيعون البناء عليها في ظل الفقر الذي يعيشونه.
يشار إلى أنّ من أهم شروط الاشتراك في هذا المشروع تسوية الديون وفواتير الكهرباء والماء والبنوك، خاصة «الوطني الإسلامي» الذي يرفض أن يصفر المستحقات، ولكنه سيعمل على احتساب تراكمات المرابحات من المستحقات، وفق رسالة نصية أرسلها إلى عملائه من موظفي غزة.
أبو محمد (43 عاماً) موظف في حكومة غزة، ويصنف نفسه ضمن الفئة المتوسطة. يقول إنه لا يثق كثيراً بالمشروع، ويشبهه بأنه دفعة قوية للغرق في معركة جديدة، تتمثل في المشكلات بين الموظفين الشركاء في أرض واحدة أو الإشكالات القانونية مع أي حكومة مقبلة. ويضيف أبو محمد أنه إذا وافق على الاشتراك في هذه الجمعية، فإنّ من الصعب أن يتشارك أكثر من 40 فرداً في قطعة أرض لا يعرفون ماذا يفعلون بها، وإذا حاولوا البناء عليها فستكون على نظام القرعة. ويتابع: «لي مستحقات تقدر بـ32 ألف دولار أستطيع بها أن أشتري منزلاً في منطقة قريبة من الحيّ الذي أعيش فيه... على أن أحصل على شقة تتجاوز تكلفتها 70 ألف دولار قد تكون في أبراج عالية».
أما النقابي إيهاب النحال، فيرى أن توزيع الأراضي مقابل المستحقات المتراكمة هو استحقاق قانوني، وهو «دين قديم على الحكومة، ومن المستحيل في ظل الأزمة المالية أن تستطيع سداده نقداً»، موضحاً أنّ من الأفضل «استرداد هذا الدين في الوقت الحالي، حتى إن كان منقوصاً». وينصح النحال الموظفين بالتسجيل حتى من أصحاب ذوي الرواتب المتدنية، لأنها «فرصة ذهبية لا يمكن أن تتكرر... من الطبيعي أن يكون هناك تمييز في التوزيع، لأن ذلك يتبع قيمة المستحقات».