(1)


ينبّهنا تييري ميسان (موقع «البديل العراقي» نقلاً عن «شبكة فولتير»)، إلى واحد من الأسرار الخفية للصراع بين «جبهة النصرة» و«الخلافة الإسلامية ـــ داعش»؛ «النصرة» تعمل لحساب شركة «إكسون موبايل»، الحاكمة في قطر، بينما تعمل «الخلافة» لمصلحة شركة «أرامكو»، الحاكمة في السعودية، في حين يخدم حكّام كردستان لحساب شركة «شيبينغ آند أجانسي جي. اس. سي» التركية، المرتبطة بإسرائيل. وفي الواقع التجاري، فإن العلاقات بين هذه الشركات العملاقة الثلاث، تعلو ليس فقط على الخلافات الفقهية بين الإسلاميين، بل تنطوي على تفاهم ضمني يتجاوز السياسة اليومية للخارجية الأميركية وعواصم المنطقة؛ حتى الخلاف بين الرياض وأنقرة يظل محكوماً بالاستراتيجية التي تحدّدها الكارتلات النفطية.

بالإضافة إلى هذه المعلومات التي تمّ الكشف عنها في «المؤتمر الدولي السنوي لشركات البترول العالمية من 15 حتى 19 حزيران الماضي في موسكو»، يقترح ميسان سؤالين يحسمان واقع المشهد: (1) كيف يتكمن الإرهابيون من بيع النفط في السوق العالمي؟ لا يمكن أن يحدث ذلك، بالطبع، من دون موافقة واشنطن، (2) ولماذا قامت الخلافة بإغلاق خط بانياس السوري بينما أبقت على التدفق النفطي في خط جيهان التركي إلى إسرائيل؟ ولكن، هل نحن أمام عملية تجارية من الصنف المنحطّ، هدفها الحصول على نفط غير شرعي بنصف السعر، بينما ترتفع الأسعار العالمية بسبب تصاعد الإرهاب في منطقة نفطية، أم تمثل هذه الأرباح المضاعفة الملطخة بدماء الشعوب، عارضاً جانبياً لاستراتيجية نفطية جيوسياسية؟
من وجهة نظر المقاربة النفطية بالذات، يمكننا أن نرى في «الربيع العربي» والفوضى الأمنية والسعي إلى تفكيك الدولتين السورية والعراقية إلى إمارات واقعية، استراتيجية صريحة للصوصيّة التي تعمل على سرقة ثروات النفط والغاز في هذين البلدين، بصورة غير شرعية، والتحكّم أكثر في الأسواق، ومحاصرة إيران وروسيا.


(2)


ما تزال الولايات المتحدة ماضية في مغامراتها في المشرق العربي؛ بالنسبة لسوريا، أعلن الرئيس باراك أوباما فشل الخطة (أ) أي اسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، لكنه انتقل، فوراً، إلى الخطة (ب)، هي نفسها التي تم تطبيقها في العراق: التقسيم الواقعي، والحصول على ما يمكن من مناطق نفوذ مباشر في الجزيرة الفراتية شمال شرق سوريا، وكردستان الصهيونية التي توسعت في الإقليم الغني بالموارد النفطية، كركوك، ونصف محافظة نينوى، أما اقليم «سنستان»، في غرب العراق الشمالي، فله غرض جيوسياسي واضح : كسر التواصل البري بين إيران وسوريا؛ لكن واشنطن تريد استبعاد الوسطاء الإقليميين ورجالهم في «النصرة» و«داعش»، لحساب ميليشيات تابعة مباشرة، «معتدلة»، طلب أوباما من الكونغرس، تخصيص نصف مليار دولار لتمويلها؛ أما الجماعات التكفيرية الإجرامية، فلن ينتهي دورها؛ يمكنها إيذاء الإيرانيين من منصة عراقية، واشعال «ثورة سنيّة» في روسيا نفسها. الفرصة الوحيدة الجدية لإنهاء خطر «النصرة» و«داعش»، بكفاءة وسرعة، يتطلب استراتيجية تفاهم أميركي ــــ روسي ــــ سوري ــــ عراقي؛ لكن واشنطن لا تزال تسعى للالتفاف على هذا الاستحقاق؛ فهي تصر على استمرار القتال في سوريا، وابتزاز بغداد وطهران في العراق. هل تنجح الخطة (ب) هذه؟ يرتهن ذلك بقدرة الجيشين السوري والعراقي على اعتراضها.

(3)


اتجهت الامبريالية الأميركية، بعد الحربين المرهقتيّ الكلفة في أفغانستان والعراق، نحو الاعتماد على المنظمات الفاشية المحلية للحفاظ على نفوذها، وتوسيعه، وكبح جماح الصعود الروسي ــــ الصيني: الفاشية التقليدية في أوروبا (كما هي الحال في أكورانيا) والفاشية الإسلامية في المشرق والعالم العربي. الفاشية، العرقية والدينية، هي الوسيلة الأكثر فعالية والأقل كلفة في أيدي الامبريالية الأميركية التي فقدت، لأسباب استراتيجية واقتصادية واجتماعية وثقافية، القدرة على تحشيد الجيوش النظامية؛ يتطلّب هذا النمط من استخدام العنف، انتشار الفوضى واستنهاض العداوات العرقية والطائفية والجهوية والقبلية (مثلاً: عنزة / شمّر) الخ، أما الخطر الوحيد، بالنسبة لواشنطن، فيتمثل في استقلال أي منظمة فاشية عن التحكّم والتمويل؛ هكذا، أصبحت «داعش» ـ التي لم تضيّع الوقت، فامتلكت مستقرات قبلية حصينة وشبكات خاصة بها وأموالا طائلة ــــ تمثّل تهديدا خارج الحسابات؛ لم يجر، بعد، اتخاذ القرار باستيعابه؛ فالمطلوب، أولا، تركيع بغداد، كليا.

(4)


من الواضح أن النفوذ الأميركي لا يزال متغلغلا في بغداد. وهو ما يشكل أخطر عناصر الضعف لدى الدولة العراقية التي يمكنها (؟)، نظرياً على الأقل، أن تحذو حذو سوريا في التحالف المثابر الصريح مع البديل الروسي؛ ولسوف يساهم ذلك في اضطرار واشنطن إلى تفاهمات. وعلى المستوى الداخلي، فإن الخروج من الورطة، يتطلب العمل سريعا على التوصل إلى إطار سياسي يشق التمرد المسلح، ويستوعب القسم العشائري والبعثي في صفوف الدولة. وهي مهمة أصبحت أسهل بعد إعلان «داعش»، زعيمها أبو بكر البغدادي، «خليفة للمسلمين»، فمعنى ذلك تكفير كل مَن لا يدين بالبيعة له من السنّة، سواء أكانوا اسلاميين أم عشائريين أم بعثيين. أصبح الشيعة والسنّة معا، في عهد الخلافة، في الخانة الإرهابية نفسها بالنسبة للخلافة، بينما تتحول كردستان إلى إسرائيل ثانية؛ ما الذي عاد يحول دون وحدة العرب العراقيين، عماد الدولة الوطنية التي لا تقوم بديموقراطية المحاصصة، بل بالعروبة والمدنية والعلمانية.
العروبة، وليس التشيع أو التسنن، هي مَن ينقذ العراق الآن من عودة الاحتلال، ومن الفاشية الدينية والكردية ــــ الصهيونية، ويحفظ وحدة البلد واستقلاله وثرواته ومستقبله.