نتيجة أجواء الغضب السائدة في إسرائيل على خلفية إعلان العثور على جثث المستوطنين الثلاثة، تجد حكومة بنيامين نتنياهو نفسها مضطرة إلى التوفيق بين عدة اعتبارات متعارضة. من جهة، هي تحتاج إلى رفع مستوى الردع مقابل فصائل المقاومة، وذلك للرد على استمرار إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، إضافة إلى القلق من تكرار محاولات أسر جنود أو مستوطنين بغرض المبادلة لاحقاً. من جهة أخرى، يتعرض نتنياهو لضغوط من معسكر اليمين شعبياً، وسياسياً من داخل الحكومة، وكلها تريد منه توجيه ضربات واسعة إلى غزة.


ما يبدو من المواقف المعلنة والسجالات داخل المجلس الوزاري المصغر «الكابنيت» أن هناك من يرى أن الظروف الحالية تفرض على إسرائيل تجنب الدخول في مواجهة واسعة متدحرجة قد لا تكون متطلباتها أو شروطها متوافرة حتى الآن. في الوقت نفسه، هناك من يرى ضرورة الرد مع التزام السقف الذي يحول دون التدحرج تجاه مواجهة واسعة.
هذا كله انعكس في تباين التقديرات والمواقف داخل «الكابنيت»، وترجمت سجالاً وصراخاً حاداً بين الوزراء. هذا يدعو إلى شنّ عملية عسكرية واسعة في القطاع وبدء تطبيق أحكام الإعدام بحق منفذي العمليات ضد إسرائيل، وآخر يدعو إلى ضرورة تجنب التدحرج تجاه حرب ومحاولة احتواء الغضب الداخلي عبر «ردود معتدلة» وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
في موازاة ذلك، حاول نتنياهو المناورة بين الخيارات المطروحة والمتباعدة. وبرغم أنه جارى الذين يطالبون برفع سقف الردود عبر دعوته إلى «رد فعل شديد»، فإنه على المستوى العملي حريص على «عدم تكسير الأواني». في هذا المجال، نقلت تقارير إعلامية أنه رغم دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى رد قاسٍ فإنه «لم يطرح رداً محدداً يمثل تجسيداً لهذا العنوان». وأضافت التقارير نفسها أن «نتنياهو دفع بمعية وزير الدفاع، موشيه يعلون، تجاه إقرار مخططات استيطانية وإقامة مستوطنة جديدة تحمل أسماء قتلى عملية الخليل». أما على مستوى التنفيذ، فهاجم جيش الاحتلال خلال فجر أمس 34 هدفاً في أنحاء قطاع غزة بعد قرار المجلس الوزاري.


تبادل وزيرا
الدفاع والاقتصاد الانتقادات بشأن
مقترحات كليهما
من أبرز الذين رفعوا راية الردود الأكثر تطرفاً، رئيس البيت اليهودي ووزير الاقتصاد، نفتالي بينيت، الذي طالب بشنّ عملية عسكرية واسعة على «حماس» في غزة، ومصادرة أموالها في بنوك الضفة، لكن مندوبي الجيش اقترحوا خلال الاجتماع شنّ غارات وقصف مبانٍ تابعة للحركة في القطاع بعدما تم إخلاؤها بفعل التأهب تحسباً لهجوم إسرائيلي. بينيت، الذي كانت اقتراحاته متوقعة، عارض هذا الاقتراح بغضب ووصفه بـ«الهش والمهين»، وطالب بردّ أشد بكثير.
في المقابل، هاجم يعلون، نظيره بنيت، وحذر اقتراحاته الخطيرة، وخاطب بنيت بالقول: «إذا فعلنا ما تقترحه سيؤدي ذلك إلى تصعيد لا نعرف كيف نسيطر عليه، وصولاً إلى الحرب في غزة». وتساءل يعلون: «هل نريد حرباً الآن في غزة؟»، لكن بنيت رد عليه: «في النهاية سنصل إلى الحرب ضد غزة، من الأفضل أن نكون نحن المبادرين إليها». وكان ممن أيد بنيت الوزير، غلعاد اردان، لكنه حذر من عمليات «جباية الثمن» ضد الفلسطينيين.
أيضاً، عارض كل من وزير المالية، يائير لابيد، ووزيرة القضاء، تسيبي ليفني، اقتراحات بنيت. وأوضحت ليفني أن «إسرائيل لم ترد دائماً على هجمات فلسطينية»، مؤكدة أنها ستصوت ضد أي قرار يتضمن توسيع الاستيطان. كذلك شددت على أنه «في حال إقدام إسرائيل على الاستيطان لمعاقبة الفلسطينيين بسبب مقتل المستوطنين، فإن ذلك سيمس الشرعية التي يمنحها المجتمع الدولي لإبقاء الكتل الاستيطانية تحت السلطة الإسرائيلية في أي اتفاق نهائي مع الفلسطينيين». ولفتت ليفني إلى وجود دعم دولي لإسرائيل وإجماع وسط الشعب في مقابل عملية «خطف المستوطنين وقتلهم»، مستدركة: «البناء في المستوطنات سيمسّ الاثنين معاً». وأضافت: «الاستيطان سيمسّ الشرعية الدولية تجاه العملية ضد حماس التي من المحتمل أن نضطر إلى فعلها».
ونقلت صحيفة «هآرتس»، عن موظف بمستوى رفيع شارك في الجلسة، أن يعلون عرض خطة أعدتها الإدارة المدنية للاحتلال بهدف تعزيز الاستيطان، وتشمل تسريع إجراءات تخطيط البناء في المستوطنات وطرح مناقصات لبناء آلاف الوحدات السكنية، وإقامة مستوطنة جديدة تحمل اسم القتلى، «لكن ليفني حذرت من أن التعاطف الدولي مع إسرائيل حول مقتل المستوطنين من شأنه أن ينقلب ضدها إذا مضت في خطط استيطانية واسعة رداً على العملية».
أما الصوت الأكثر تشدداً، وهو وزير الخارجية، افيغدور ليبرمان، فدعا عبر صفحته على «الفايسبوك» إلى الخروج بعملية السور الواقي -2 «لكن هذه المرة في غزة»، ورأى ليبرمان أنّ «من الممنوع دفن الرأس في التراب»، مشيراً إلى «وجود رابط بين قتل المستوطنين، والصواريخ التي تطلق على جنوب إسرائيل».
وتحدثت تقارير إعلامية عبرية، عن أن رئيس أركان الجيش، بني غانتس، تعرض لانتقاد لاذع من أردان عندما أشاد بالوزراء على ما اعتبره «الاقتراحات المعتدلة والمعقولة»، لكن اردان رد عليه بالقول: «ليست مهمتك هنا توزيع الشهادات». في السياق نفسه، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، عن مصدر سياسي في الحكومة الإسرائيلية، قوله إنه «لم يعد هناك أرانب في القبعة»، واصفاً ردّ الفعل الإسرائيلي بأنه «صغير».
ولخّص كل من نتنياهو ويعلون وغانتس في مؤتمر مساء أمس أهداف تل أبيب في المرحلة بالمقبلة بثلاثة محاور الأول «الوصول إلى قتلة أبنائنا»، والثاني «تدمير البنية التحتية لحماس في الضفة»، والثالث «العمل ضد الحركة في غزة وتحميلها مسؤولية الاختطاف وإطلاق الصواريخ».