عند الخامسة من عصر الإثنين، انتهت حملة «عودوا أيها الإخوة» التي جرّدها الجيش الإسرائيلي للبحث عن المستوطنين الثلاثة بعد أن فقدت آثارهم قبل 18 يومًا، وهو اعتقل في سبيل ذلك نحو 300 فلسطيني لاستقاء المعلومات منهم، كما دهم ما يزيد عن 2000 منزل في الخليل وحدها فضلا على تمشيط مساحات شاسعة. في نهاية المطاف، لم يكن ما أدى إلى اكتشاف مكان الجثث «معلومة ذهبية» من الشاباك، أو إنجازًا استثنائيًّا للاستخبارات العسكرية، بعد أن أخفقا في اختراق التخطيط المحكم للعملية، بل كانت نباهة أحد المدنيين المشاركين في التمشيط.


بالاستناد إلى الرواية الإسرائيلية، يمكن إعادة تركيب الحادثة وفقا للتسلسل التالي: ليل 12 تموز خرج المستوطنون الثلاثة من معاهدهم الدينية إلى محطة نقل عند مفترق مستوطنة غوش عتصيون تستخدم لنقل الركوب مجانًا في سيارات العابرين. عند العاشرة والثلث مساء توقفت سيارة من طراز هيونداي i35 عند المحطة يستقلها كل من مروان القواسمة وعامر أبو عيشة اللذين كانا قد تنكرا على الأرجح بهيئة يهودية. بعد دقائق من صعود الثلاثة إلى السيارة، اكتشفوا أنهم تعرضوا لعملية أسر، فبادر أحدهم إلى الاتصال عبر جهازه الخليوي بمركز الشرطة هامسًا: «لقد اختطفوني»، لكن عاملة الاتصالات في الشرطة ظنت أن الأمر مزحة لأحد المواطنين. يظهر تسجيل المكالمة التي استغرقت نحو دقيقتين وكُشف مضمونه أمس أن أحد الخاطفين أسقط الهاتف من يد المستوطن وطلب منه خفض رأسه ويديه، ثم سُمع صوت «خبطة» يقدر المحققون أنها صوت عيار ناري أطلقه أحد الخاطفين على المستوطن فأرداه قتيلًا.
عندئذ، شعر الخاطفان بأن خطتهما قد تشوشت، وأن قوات الأمن تلقت إشعارًا بالعملية وأطلقت تعقبًا خلفهما، فاستدارا عائدين اتجاه مفترق غوش عتسيون، ومن هناك توجها نحو قرية دورة المجاورة للخليل، حيث أحرقا السيارة التي نفذت بها العملية، كما عُثر فيها لاحقًا على بقايا هاتف خليوي وعيارات فارغة. بعد ذلك استقلا سيارة أخرى نقلا إليها جثة المستوطن والمستوطنَين الآخرَين اللذين من غير الواضح هل كانا آنذاك على قيد الحياة. لاحقًا، انطلق الخاطفان اتجاه الشمال إلى منطقة تدعى خربة أرنبة (بين بلدتي حلحول وبيت كحيل وتبعد نحو 10 كم عن مفترق غوش عتسيون). هناك، في أحد الوديان الفاصلة بين البلدتين، ألقى الخاطفان الجثث الثلاثة داخل بئر غير عميقة وغطياها بقطع من النايلون والحرشيات والصخور.
وفق الرواية الإسرائيلية، كان الشاباك قد أشار إلى تلك المنطقة مقدرًا وجود الجثث فيها، وجرى تمشيطها ست مرات متتالية دون العثور على شيء. لكن طرأ قبل أيام تحول في التفتيش تمثل بالعثور على معطيات جديدة أشارت بعض التقارير الإسرائيلية إلى أنها قد تكون نظارة أحد المستوطنين الثلاثة. إثر ذلك تقرر تركيز نطاق التمشيط ضمن منطقة محددة بمشاركة «أدلاء» من إحدى المدارس المجاورة ولديهم خبرة جغرافية.
أثناء البحث عصر الإثنين، رصد أحد «الأدلاء» شجيرة لا تلائم المنظر الطبيعي في وضعيتها، فعمل على إزاحتها ليكتشف جثة أحد المستوطنين وتحتها على عمق منخفض تراب وحجارة، جرى العثور بينها على الجثتين الأخريين.
أمس، كشف في إسرائيل أنه برغم تأكيد القيادات العكسرية والسياسية طوال الوقت أن «عمليات البحث تنطلق من فرضية أن الشبان لا يزالون أحياء»، فإن التقديرات الضمنية التي لم تخرج إلى العلن افترضت أن النهاية ستكون حزينة. كما تحدثت تقديرات أخرى أمس عن أن الخاطفيْن لم يخططا في الأصل لأسر ثلاثة أشخاص، بل واحد أو اثنين، والمرجح أنه بعد وقوع الثلاثة في شباكهما كانا ينويان الاحتفاظ بواحد أو اثنين على قيد الحياة للمساومة، لكن تشوش مسار العملية أدى إلى قتل الثلاثة. وتشير التقديرات الإسرائيلية حاليًّا إلى أن القواسمة وأبو عيشة لا يزالان يختبآن في الخليل.