بغداد | أكثر من مليون نازح من خمس محافظات عراقية يعيشون حياة مأساوية، وسط إرباك حكومي وأممي لإغاثتهم. وشهدت محافظات الموصل وكركوك وصلاح الدين وديالى والأنبار منذ العاشر من الشهر الماضي، نزوحاً غير مسبوق للسكان المحليين عقب دخول تنظيم «الدولة الإسلامية» الموصل وأجزاء من هذه المحافظات.


قصة النزوح الأسوأ بدأت من الموصل، عندما انتشر مسلحون أصوليون، وأجبروا الأقليات على الهجرة، فضلاً عن هلع العديد من أهالي الموصل ممن رفضوا العيش تحت وصاية التنظيمات التكفيرية. مسيحيون وشبك وايزديون ومسلمون شيعة، وحتى أكراد، تركوا منازلهم وممتلكاتهم وفرّوا صوب إقليم كردستان والمحافظات الجنوبية والوسطى، وبقي العدد الأكبر منهم في العراء عند حدود مدينتي أربيل ودهوك، تحت لهيب شمس قاسية، ودرجة حرارة تصل في كثير من الأحيان إلى أكثر من 50 درجة مئوية.
خريطة النزوح الجماعية توزعت على المحافظات الأكثر أمناً واستقراراً، أو تلك التي أبعد من خطوط الخطر بقليل. فالبعض ممن بقي من المسيحيين والشبك، سمحت سلطات إقليم كردستان بدخولهم إلى مدينتي أربيل ودهوك، دون غيرهم من الطوائف، فيما قصد المسلمون الشيعة المدن المقدسة ككربلاء والنجف ومدينة الكاظمية في العاصمة بغداد، فضلاً عن لجوء بعضهم إلى أقاربهم في المحافظات الجنوبية كالبصرة وميسان ومحافظات الفرات الأوسط كالديوانية وبابل.
على حدود إقليم كردستان، لا يزال العديد من المهجرين يمكثون في مخيمات لا تقيهم إلا أشعة الشمس، وسط نقص شديد في مياه الشرب.
الحكومة العراقية قررت في 12 حزيران الماضي، أي بعد يومين من حادثة الموصل، تخصيص 10 مليارات دينار لإغاثة النازحين في كل مكان، إلا أنها لم تصرف منها شيئاً حتى الآن لأسباب كثيرة، تمثّلت بالبيروقراطية الإدارية العراقية، وعدم جلب النازحين لمستمسكاتهم التي تثبت عراقيتهم، بعد هربهم بثيابهم المنزلية.
وتقول وزارة الهجرة والمهجرين إنها صرفت 1.7 مليار دينار من موازنتها لإغاثة اللاجئين في الأيام الأولى لنزوحهم من الموصل، تمثلت بإرسال المواد الغذائية الأساسية فقط.
وتؤكد وزارة الهجرة أن «العوائل المهجّرة من مدينة تلعفر، التي يقطنها التركمان الشيعة، لا تزال مستمرة بالنزوح صوب مدينتي كربلاء والنجف، وجرى إيواء الآلاف منهم في مدن الزائرين الخاصة بزوار العتبات المقدسة»، مشيرةً إلى أن يوم الاثنين الماضي شهد وصول 1500 عائلة إلى مدينة الكاظمية المقدسة، وجرى إيوائهم في كرفانات المهجرين التي لا تسعهم، لكونهم عوائل كبيرة.
وتقوم الحكومة العراقية بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان، لنقل النازحين الراغبين من المخيمات في حدود الإقليم، إلى محافظة النجف، من طريق الخطوط الجوية العراقية. وتشير التقارير الحكومية إلى وصول 50 ألف نازح لمحافظتي النجف وكربلاء، ومن المقرر أن تستقبل كرفانات المهجرين في الكاظمية 10 آلاف آخرين.
الهلال الأحمر من جانبه وفّر خيماً في حدود كردستان، بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي، ووزع 61 ألف طن من الغذاء هناك، لكنه لم يوصل المساعدات حتى الآن إلى محافظتي كربلاء والنجف، اللتين تشهدان طريق أكبر عملية استقبال نازحين في تاريخهما. ويشكو الهلال الأحمر قلة وسائط النقل، لإغاثة اللاجئين في محافظات الوسط والجنوب، وعدم قدرة موظفيه على الوصول إلى المناطق المحادية لمناطق الخطر.
من جهتها، تقول مفوضية حقوق الإنسان إن أكثر من مليون و 150 ألف شخص نزحوا من محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى إلى اقليم كردستان ومحافظات أخرى، غالبيتهم يعيشون في مخيمات لا تتوافر فيها أبسط المقومات الإنسانية، وبيّنت المفوضية أنها باشرت بإعداد قاعدة بيانات خاصة بالنازحين لتسهيل إيصال المعونات إليهم. فيما تؤكد مصادر بوزارة الهجرة، أن معظم النازحين لا يمتلكون وثائق ومستمسكات ثبوتية، لخوفهم اكتشاف المسلحين هويتهم المذهبية أو القومية من خلالها، مشيرةً إلى أن «ذلك يشكل عائقاً كبيراً للوزارة، لأنها تعاني البيروقراطية الإدارية التي تفرض على الوزارة تسجيل معلومات مستمسكات النازح قبل توزيع المعونات عليه». وبينت المصادر أن النازحين يترجون الوزارة لتثبيت ممتلكاتهم التي تركوها، خشية إحداث أي تغيير ديموغرافي في المناطق الشمالية.
إلى ذلك، قال رئيس الجبهة التركمانية في العراق، أرشد صالحي، إن أعداد النازحين التركمان من المناطق المتنازع عليها شمالي العراق بلغ 350 ألف منذ سيطرة المسلحين على مدينة الموصل.
ورأى صالحي في حديث لوكالة «الأناضول»، أن هناك «استهدافاً ممنهجاً للتركمان من قبل الأطراف المسلحة. ونأسف لعدم اهتمام الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم شمال العراق لأمر التركمان»، محملاً الحكومة المركزية في بغداد والحكومة في أربيل مسؤولية إراقة الدماء التركمانية.
وأضاف أن «الجبهة قدمت أكثر من مقترح لحكومتي بغداد وإقليم الشمال، لكن أياً منهما لم تتعاون. المؤامرة لتقسيم العراق بدأت بإخراج التركمان من المناطق المتنازع عليها».