غزة | لم يلق إعلان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، استعداده الوساطة لإنهاء التصعيد العسكري بين «حماس» وإسرائيل أذناً فلسطينية تسمعه في غزة. هذا العرض جاء في مكالمة هاتفية أجراها أوباما مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وهي الأولى بين الاثنين منذ بدء العدوان على القطاع.


الرئيس الأميركي لم يرمِ في تصريحه إلى دور جديد لم تفعله بلاده من قبل، ولتوضيح أكبر، فإن مسؤولاً كبيراً في الإدارة الأميركية أوضح أنه لم يطرأ أي تغيير على سياسة واشنطن التي تمنع التواصل مع قادة «حماس»، وهي مصنفة تنظيماً إرهابياً.
الأميركيون يريدون المشاركة في صياغة الاتفاق، بل توفير ظروف التوصل إليه ورعايته، لكن على أساسٍ من الشروط الإسرائيلية. والتجربة الفلسطينية مع الحضور الأميركي في اتفاقات وقف إطلاق النار لا تغري بالمحاولة. بصمة العم سام كانت حاضرة دائماً في كل ما يتعلّق بغزة، حتى لو لم يكن «اتفاقاً». في كانون الثاني 2009، وبعد 22 يوماً من القصف الجوي والتوغل البري، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود أولمرت، وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد، سبقه بيومٍ، أي في 16 من ذلك الشهر، توقيع وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، تسيبي ليفني، ونظيرتها الأميركية، كونداليزا رايس، اتفاقاً في واشنطن ينص على فرض مراقبة صارمة على مداخل القطاع بمشاركة حلف شمال الأطلسي وقوى إقليمية، وتشمل البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وخليج عدن والخليج العربي، وكذلك سيناء المصرية. وتضمن الاتفاق أيضاً تعهد واشنطن لإسرائيل إقامة جهاز مراقبة واسع لمنع تهريب الأسلحة إلى غزة ومراقبة معابرها وتزويدها بأجهزة متطورة لاكتشاف الأنفاق.


مصر تنتظر طلباً بالتدخل، لكنها لا تريد إظهار «حماس» منتصرة


هذا جرى أيضاً في الحرب الثانية 2012 حين وصل الضغط الأميركي مقابل عجز تل أبيب عن تحقيق إنجاز بعد قصف المقاومة لها لأول مرة، لتقبل إسرائيل بعد ثمانية أيام هدنة صمدت لعامين. أما أمس، فأعلن السفير الأميركي لدى تل أبيب، دان شابيرو، أن واشنطن لا تعارض حملة إسرائيلية برية في غزة، «وإن كانت تفضل الامتناع عنها»، وذلك بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على تصريحات لأوباما أعرب فيها عن خشيته من خطر تصعيد النزاع، منبهاً إلى ضرورة «حماية المدنيين».
وقال شابيرو، خلال مقابلة مع موقع صحيفة «معاريف» العبرية، إن «أوباما أبلغ نتنياهو أنه يمنحه تأييداً كاملاً لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من صواريخ حماس»، مستدركاً: «إذا كان هناك مجال لوقف الصواريخ من دون عملية برية، فسيكون ذلك أفضل لأن الجميع يعرفون نتائج هذه العملية». وفي سياق لاحق، أعرب السفير عن «رضاه عن النجاح الباهر للقبة الحديدية التي ساعدت الولايات المتحدة في تطويرها ومولت بناء ثلاث بطاريات منها».
يمكن من التصريحات السابقة فهم أن هناك ضوءاً أخضر أعطاه البيت الأبيض لهذه العملية بشرط أن تثمر نتائجها، وإلا فلا داعي لها مقابل أن تتكفل واشنطن بالبحث عن وسيط. لكن ما هي الدولة التي تستعدّ اليوم لتنفيذ دور الوساطة.
الخيار الأول كما كان دائماً في القاهرة. هنا حث وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، نظيره المصري، سامح شكري، على استخدام نفوذ مصر لتهدئة الأوضاع، وعرض العودة إلى اتفاق وقف النار 2012، وهو الاتفاق الذي أعلن في عهد الرئيس محمد مرسي، خلال مؤتمر مشترك بين وزيري الخارجية هيلاري كلينتون، ومحمد عمرو. اتفاق كان مختلفاً لجهة دور مصر فيه الذي تجاوز «الوساطة» إلى «الضمان»، ووصفه الأميركيون بأنه «دور قيادي ومسؤول» يضمن لإسرائيل وقف «الأعمال العدائية» الفلسطينية، في مقابل وقفها الاغتيالات والتوغلات وتسهيل الحركة عبر المعابر. أيضاً هو اتفاق هشّ، انهار بعد سنة ونصف من توقيعه، ليس لأن «الضامن» لم يعد موجوداً، بل بسبب تنصل إسرائيل المتدرج من التزاماتها فيه، بدءاً من إعادة فرض المنطقة العازلة على الحدود البرية والمائية، وتضييق حرية الحركة والتنقل، ومنع إدخال مواد البناء، واستئناف سياسة الاغتيالات، وصولاً إلى الحرب الجارية.
أما هذه المرة، فظهر واضحاً التململ المصري بشأن التدخل الحاسم والسريع للمساهمة في ضبط الأوضاع، كما أبدت القاهرة الرغبة في التمهل وانتظار طلب الأطراف ذات العلاقة، حتّى إنها لم تفتح معبر رفح إلا لأعداد محدودة جداً من المصابين وضمن عدد محدود من الساعات.
على الخيار الثاني، يبرز الوسيط التركي، فأنقرة عرضت على إسرائيل التوسط عند «حماس» للوصول إلى وقف إطلاق نار مقابل إنهاء الحصار بصورة تدريجية، وهو عرض قالت الإذاعة العبرية إن إسرائيل رفضته بل اشترطت وقف النار دون التزامات، ثم البحث مع السلطة في رام الله عن حلول لوضع غزة وحصارها. يأتي أخيراً الحديث عن الوساطة القطرية في التقارير الإسرائيلية التي أشارت خلال اليومين الماضيين إلى أن الدوحة تُسهم في رسم صورة الحل بقرينة وجود رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، خالد مشعل هناك.
مع هذا، ما من طرف أقدر على الوساطة في معضلة غزة من مصر، لكن المصريين يفكّرون كيف يرعون اتفاقاً جديداً ينقذون فيه الفلسطينيين من النار، دون أن يمنحوا غريمتهم «حماس» صورة النصر التي تبحث عنها، ليس على إسرائيل فحسب، بل على السلطة ومصر اللتين تحاربان الحركة كل بطريقته. هي معادلة تعمل المخابرات المصرية على تركيب عناصرها منذ ما قبل عملية «الجرف الصامد» التي سبقت استهلالها زيارة وزير المخابرات المصري، محمد التهامي، لتل أبيب وفق مصادر مصرية وعبرية، إذ لا يمكن، كالمعتاد، أياً من الجانبين أن يبدأ عملية عسكرية في غزة أو سيناء دون أن يستشير الطرف الآخر أو يطلعه على الأقل.