«جبهة النصرة» مُطالبة بالمزيد من «الفعالية الجهادية» في الشمال السوري على وجه الخصوص. وتحت «عباءة» المبادرات التي تزايد الضخّ في شأنها خلال الأيام الأخيرة، ثمّة عنوان جوهري هو «فك ارتباط النصرة» بتنظيم «القاعدة» الأم. ومن المرجّح أنّ عودة هذه القضية إلى التداول من جديد هي في واقع الأمر ورقة ضغطٍ تُمهّد لقبول «النصرة» بـ«مشروع» يجري طبخهُ على نارٍ ليست هادئة. ويُعزّز هذا الاحتمال أنّ «فك الارتباط» في الوقت الراهن لا يعِدُ بأي جدوى «إيجابية» بالنسبة إلى «النصرة» بعد أن باتَ خروجُها من منطقة «التنظيمات الإرهابيّة» أمراً شبه مستحيلٍ نتيجة التطوّرات السياسيّة الإقليميّة والدولية. ومن المفيد في هذا السياق التذكير بأنّ أول حديث عن «فك الارتباط» قد ظهر إلى العلن قبل حوالى عام من الآن («الأخبار»، العدد 2517). ورغم أنّ «الأثمان» التي عُرضت في ذلك الوقت على «النصرة» كانت مُغرية لجهة «إعادة إنتاجها» بعيداً عن سمة التطرّف التي وصمَتها، غير أنّ قيادة «الجبهة»، وعلى رأسها أبو محمّد الجولاني، قد حسمت أمرها وأصرّت حينها على «الولاء للقاعدة»، («الأخبار»، العدد 2600)، ليحصد الجولاني في المقابل رصيداً إضافيّاً لدى «المهاجرين» ولدى «صقور القاعدة الشرعيين»، مثل أبو محمّد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني. لكنّ الضغوطات التي أفرزتها قضيّة «فك الارتباط» الشهيرة أثمرت في المقابل انضواء «النصرة» تحت راية «جيش الفتح» في آذار الماضي، وصولاً إلى تعديلات جذريّة في سياساتها المتّبعة في «المناطق المحرّرة» («الأخبار»، العدد 2598). وفي سابقة كانت الأولى من نوعها، قبلت «النصرة» حينها مشاركة مجموعات أخرى «شرف النصر» في معارك «فتح إدلب» التي دفعت هي («النصرة») الثمن الأكبر فيها، وفقاً لما يؤكّده «قياديّ» بارز في «الجبهة» لـ«الأخبار».

تحوّلت إدلب إلى «قبلة» لمسلحي «النصرة» المنسحبين من مناطق عدة
ويشرح المصدر بعض ما يدور وراء الكواليس منذ سيطرة «جيش الفتح» على محافظة إدلب، حيثُ «وصل الأمر بقادة بعض المجموعات الصغرى إلى تجاوز كلّ حدود التقدير والاحترام، واعتبار أنفسهم ومجموعاتهم أنداداً لكبار المجاهدين». ووفقاً للمصدر ذاته، فإنّ «بعض الإخوة في مجموعات وازنة، بدلاً من أن يلعبوا دور الناصح والموجّه للمجموعات الصغيرة، وقفوا في صفّها، وأعانوا أصحابها على أخطائهم». يرفض المصدر تسمية «فصائل» بعينها، ويؤكّد في الوقت ذاته أنّ «الجبهة واجهت كثيراً من المشكلات التي حرصنا على عدم تسليط الأضواء عليها، وكانت الأسباب في معظم الأحيان أنّ البعضَ تعوّد أن يحصدَ المكاسبَ ويستثمر دماء شهدائنا». كذلك، يعيد المصدرُ التذكير بعددٍ من «الخيبات» التي مُنيت بها «النصرة» من حلفائها، وعلى رأسها الضغطُ عليها للانسحاب من «بعض المناطق خدمةً لمشاريع وهميّة»، في إشارة إلى انسحاب «النصرة» من بعض مناطق ريف حلب الشمالي خدمةً لمشروع «المنطقة الآمنة» («الأخبار»، العددان 2658، و2662).
لاحقاً للانسحاب، وفي إجراءاتٍ بدا أنّها جاءت ردّاً على ذلك «التخلّي»، وضعَت «قيادة النصرة» معايير دقيقةً لـ«رباط مجاهديها» ومشاركتهم في المعارك و«الغزوات». ووفقاً لما يشرحُه مصدرٌ «جهاديّ» من أحد «فصائل جيش الفتح» لـ«الأخبار»، فإنّ أوضحَ تلك المعايير كان «عدم زجّ المقاتلين في كل المعارك من دون الأخذ في الحسبان حجم مشاركة باقي المجموعات». وتشير المعطيات المتوافرة إلى أنّ عزم «النصرة» على الانسحاب من أحياء حلب الشرقيّة كانَ واحداً من أبرز الأسباب التي دفعت بقية المجموعات (ومن ورائها الدول الداعمة بطبيعة الحال) إلى ممارسة الضغوطات المستجدّة على «الفرع الشامي لتنظيم القاعدة»، والتي أثمرَت بشكل أوّلي تغيير خطط «النصرة» ودفعها بمزيدٍ من التعزيزات إلى تلك الأحياء (الأخبار، العدد 2799).


«الخوف» على حلب أم على إدلب؟

وخلافاً لما تبدو عليه الصورة أوّل الأمر، فإنّ دوافع الضاغطين على «النصرة» وحرصهم على إرسالها مزيداً من القوات إلى جبهات حلب لا تقتصرُ على الخشية من سقوط معاقل المسلحين في عاصمة الشمال فحسب، بل تشتمل في الوقت ذاته على الخوف من تزايد عديد مقاتلي «النصرة» في محافظة إدلب، وما قد يُنتجه «اختلال موازين القوى» هناك من تهديدٍ لنفوذ المجموعات الأخرى. ومن المعروف أن إدلب تحوّلت إلى «قبلةٍ» لمسلحي «النصرة» المنسحبين من مناطق سورية عدة، بموجب اتفاقات مختلفة، منها ما تمّ بصورةٍ علنيّة، ومنها ما سُرّبت بعضُ تفاصيله فحسب (مثل انسحاب أعداد ضمّت قيادات شرعيّة وعسكريّة من درعا). وتضافر ضخّ «الدماء الوافدة» مع عوامل أخرى في إثارة المخاوف من «ابتلاع النصرة» لإدلب، مثلَ «عزوف النصرة عن مؤازرة ريف اللاذقية الشمالي، وانشغالها بدلاً من ذلك باستحداث مزيد من المعسكرات والمقار في عدد من مناطق إدلب»، وفقاً لما يؤكده «طالب علم» لـ«الأخبار». المصدر الذي كان أحد المساهمين في إطلاق «مبادرة أهل العلم» أوضح أنّ «هذه المخاوف ليست مخاوفنا، بل هي مخاوف الإخوة في باقي الفصائل. نحنُ نقف على مسافة واحدة من الجميع، وقد دفعنا الحرص على وحدة الصف والخشية من وقوع ما لا تُحمد عُقباه إلى إطلاق المبادرة». يتحفّظ المصدر على الإدلاء بأي تفاصيل إضافية حول تطوّرات «المبادرة» حرصاً على «نجاحها» الذي «ما زالت فُرصُه قائمة»، حسب تعبيره.