ليست ليوسف القرضاوي سيرةٌ واحدة؛ فأحد أبرز رموز الصحوة الإسلامية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وداعية المقاومة المسلّحة والعمليات الاستشهادية في فلسطين مع بداية تسعينياته، تحوَّل مع تفجُّر الانتفاضات في عام 2011، إلى مفتٍ لـ«الربيع العربي»، مع ما استَتبع هذا الانخراط الكُلّي في الحدث من لُبسٍ أعاد تثبيت مواقف الرجُل لجهة أولوية التغيير الداخلي على ما عداه. لطالما عُدَّ القرضاوي، وهو من الشخصيات العلمية والفكرية البارزة في تاريخ «الإخوان المسلمين»، والحركة الإسلامية بشكل عام، من أبرز دعاة «الوسطية الإسلامية» التي «تجمع بين السلفية والتجديد، وتمزج بين الفكر والحركة، وتركّز على فقْه السُنَن والمقاصد والأولويات، وتُوازِن بين ثوابت الإسلام ومتغيّرات العصر، وتتمسّك بكلّ قديم نافع، وترحّب بكلّ جديد صالح». إسهامات الراحل بطروحات على المستوى الفكري، وبما يزيد على 170 مؤلَّفاً، جعلتْه أحد رموز «الإصلاح» داخل الحركة «الإخوانية»، كونه تَميّز عن الطرح «الإخواني» التقليدي كما عن المذهب الوهابي، مشكِّلاً بذلك تيّاراً فكرّياً موازياً داخل الإسلام السياسي.

يُعدّ القرضاوي من الشخصيات المعروفة والمؤثّرة منذ الثمانينيات داخل الحركة «الإخوانية»، التي انتسب إليها في مصر، حيث اعتُقل عدّة مرات بدايةً من عام 1949، وهو لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية، ثمّ في الحملة الأمنية الكبرى على الجماعة في عام 1954، أي بعد «ثورة 23 يوليو» وما تلاها من صدام بين الرئيس جمال عبد الناصر و»الإخوان». وفي حوارٍ أجرته معه قناة «الجزيرة» القطرية ضمن برنامج «المقابلة» في عام 2017، روى القرضاوي جانباً من سيرته، وتطرّق إلى قصّة اعتقاله الأولى في عهد الملك فاروق، عندما كان لا يزال طالباً في المرحلة الثانوية الأزهرية، لافتاً إلى أنه تعلَّم الكثير داخل السجن، حيث تَعرّف إلى الشيخَيْن محمد الغزالي وسيد سابق. وفي الحوار نفسه، نفى «الشيخ» أن يكون ترَك فكْر جماعة «الإخوان»، بل طلب أن يترك التنظيم لأنه لم يُرِد أن يكون «أسيراً له بعدما أصبح عالِماً مشهوراً، يدعوه الناس من مختلف البلاد للحضور إليهم». مع هذا، ظلّ ضمن الدائرة وصاحب السلطة الأدبية الواسعة في «الإخوان»، على رغم انتقاده الجماعة بخاصّة لناحية طريقة عملها في التنشئة، إذ هي «سارت بمراحل كثيرة لكنّها اهتمّت بالسياسة أكثر، وأهملت الجوانب التثقيفية والتربوية، فاصطدمت بالحكومات المتعاقبة»، على حدّ قوله.

القرضاوي من الشخصيات المعروفة والمؤثّرة منذ الثمانينيات داخل الحركة «الإخوانية»


الخطيب المفوّه على قناة «الجزيرة»، والذي جمعتْه علاقات وثيقة بقطر، أضحى، إلى جانب كونه قطباً إسلامياً ألهم كثيرين، بمَن فيهم حركة «حماس» التي كان فقيهها، مؤسّسة بما للكلمة من معنى. هو تناغم مع سياسة الدوحة وحرّض ضدّ بعض الأنظمة العربية، وخصوصاً النظامَين السوري والمصري، وأيّد تدخُّل «الناتو» في ليبيا لخلْع نظام القذافي. فـ«ثورات» تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، يقول «الشيخ»، «مِنحة إلهية لتغيير مسار شعوبها». قبل هذا، كانت للقرضاوي علاقات طيّبة مع إيران والمقاومة في لبنان، إلى أن وقعت انعطافته الكبرى مع بدء أحداث الاقتتال الأهلي في العراق في عام 2008، حين أصبح أكثر مَيْلاً إلى اعتناق «المظلومية السُنية».
غير أن ما سبق، لا يحجب حقيقة ارتباط القرضاوي بقضيّة فلسطين التي خرج في تظاهرات عام 1940 دفاعاً عنها واحتجاجاً على «وعد بلفور»، ثمّ زارها في نهاية الخمسينيات. كما احتلّت فلسطين مساحةً من كتبه ومؤلّفاته المتنوعة، وخصّص لها كتاباً حَمَل عنوان «القدس قضيّة كل مسلم». كذلك، شارك الشيخ في المؤتمرات والفعاليات الدولية الخاصّة بالقضيّة الفلسطينية، منطلِقاً في نظرته إليها من منطلق إسلامي، فهي، كما يقول، «وقفٌ إسلامي اغتصبها اليهود وشرّدوا أهلها... السبب الحقيقي للمعركة معهم هو الاحتلال، والصلح مرفوض، إذا كان مبنيّاً على الاعتراف لهم بأن ما اغتصبوه هو حقّ لهم».