ليس من المبالغة القول أنه مع إعلان المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار بين جيش الاحتلال والمقاومة في غزة، يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد تنفس الصعداء، لكونها تشكل، في حال بلوغها خواتيمها، مخرجاً لأزمة الخيارات التي اصطدم بها، بعد ثمانية أيام من المواجهة، وراوحت بين الانتقال إلى خيار العملية البرية، أو المراوحة تحت سقف التصعيد العسكري المتبادل.


مبادرة تبدو أشبه بطوق نجاة لإسرائيل من مأزقها الميداني. صحيح أنها تشكّل مدخلاً لوضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، لكنها في الشكل الذي عرضته الخارجية المصرية، أي 12 ساعة وقف نار تليها 48 ساعة محادثات حول شروط الهدنة، تكون أقرب إلى رغبة تل أبيب التي رفعت شعار «تهدئة في مقابل تهدئة» دون مكافآت للجانب الآخر، في مقابل المقاومة التي كانت واضحة في أهدافها. وعلى ذلك، فإن تقويم نتائج هذه الجولة من المواجهات مرتبط بمدى اقتراب مضمون التفاهم من الشعارات والمطالب التي رفعها طرفا الصراع.
القاهرة قالت إن مبادرتها جاءت «استكمالاً للجهود المكثفة والاتصالات المستمرة التي تجريها مصر منذ أسبوعين مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية»، وفي هذا دلالة على أن الحديث عن دخول الدوحة وأنقرة إلى خط الوساطة لم يتعد كونه التواصل مع «حماس» نيابة عن الاتصال المباشر بينها وبين الولايات المتحدة، لأن مصر هي الأقرب جغرافياً وتملك مفتاح المعبر، ما يحتم في كل الأحوال أن «جارة غزة» هي المعني بالأول بتنفيذ التهدئة وضمان استمرارها، وأنها لن تقبل أن تكون أداة تنفيذية خاصة مع عدائها الواضح لسياسات قطر وتركيا في المنطقة.

البطش عارض
بشدة طرح بنود المبادرة عبر الإعلام قائلا إن للمقاومة عناوين

أما الصيغة التي قدمت عبر الإعلام، فهي إما أن تكون «جسّ نبض» للأطراف جميعها، لأنها تنطلق من مبدأ مساواة العدوان الإسرائيلي بالرد الفلسطيني، وإما أن مصر تقدم موقفها بوضوح من «حماس» وتعامل الفلسطينيين (المعتدى عليهم) بمنطق أنها تقود اتفاق تهدئة بين دولتين في الجنوب الأفريقي!
هذا ليس مبالغة، بل يمكن تلمسه من استخدام عبارة «وقف جميع الأعمال العدائية (Hostilities)» بحق الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وزادت في النص بالإشارة إلى أن إيقاف هذه «الأعمال العدائية» سيكون «جواً وبراً وبحراً» من جانب تل أبيب على قطاع غزة مع «تجنب الاجتياح البري للقطاع واستهداف المدنيين»، لكن المبادرة أضافت على الجو والبر والبحر عبارة «تحت الأرض» في إشارة إلى الأنفاق، وأيضا أن تلتزم المقاومة «وقف الهجمات على الحدود واستهداف المدنيين الإسرائيليين»!
والمقابل الذي تعرضه المبادرة المصرية هو «فتح المعابر» من دون تأكيد وجود معبر رفح بينها، إضافة إلى «تسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية في ضوء استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض»، ما يعني أن هذه الخطوة لن تكون مباشرة. عن القضايا الأخرى، قالت: «باقي القضايا، بما في ذلك موضوع الأمن، سيجري بحثها مع الطرفين».
وفي الآليات اقتراح تحديد التاسعة صباحاً (توقيت غزة) موعداً لبدء تنفيذ التفاهمات مع وقف لإطلاق النار خلال 12 ساعة وقبول الطرفين هذا الوقف دون شروط مسبقة، على أن يجري استقبال وفود إسرائيلية وفلسطينية في القاهرة خلال 48 ساعة لاستكمال «إجراءات بناء الثقة بين الطرفين كل على حدة طبقاً لتفاهمات تثبيت التهدئة بالقاهرة عام 2012».
كذلك غاب عن المبادرة البنود التي تحدثت عنها كل من «حماس» وإسرائيل خلال الأيام الماضية، ومنها إسرائيلياً «وقف الفصائل تصنيع الصواريخ»، وفلسطينياً «إطلاق سراح الأسرى المحررين الذين أعادت إسرائيل اعتقالهم، والسماح بتحويل الرواتب (الحوالة القطرية) إلى غزة»، وتفتح هذه المبادرة أيضاً الباب أمام أي اعتداء أو اغتيال إسرائيلي لاحق يمكن أن يشعل فتيل مواجهة أخرى، في ظل غياب بند «وقف الاغتيالات وحق المقاومة في الرد على الاعتداءات الإسرائيلية».
وسائل الإعلام العبرية أضافت إلى ما أعلنته الخارجية المصرية، أن معبر رفح سيجري فتحه، على أن يتسلم المعبر وما حوله، عناصر تابعة لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الأمر الذي عده عدد من المعلقين الإسرائيليين أنه تلبية، بصورة غير مباشرة، لأحد أهم الشروط التي طالبت بها «حماس» خلال الأيام القليلة الماضية، وهي شرط فك الحصار عن قطاع غزة.
وفيما أرسلت إسرائيل إشارات قبول بالاقتراح المصري، وأعلنت أن المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية سيجتمع صباح غد (اليوم) لمناقشته واتخاذ القرار بشأنه، سارع عدد من المسؤولين الإسرائيليين، وبينهم وزراء في الحكومة، للتنديد بالاقتراح وأي وقف لإطلاق النار مع «حماس» في هذه المرحلة، محذرين من أن الاتفاق سيعرّض أمن إسرائيل للخطر. ووصف الوزير أوري اريئيل القبول بالمبادرة المصرية بأنه «وصمة عار، لأن الردع لم يتحقق قبالة حماس»، فيما قال نائب وزير الدفاع، داني دانون، إن «الاتفاق صفعة لكل سكان إسرائيل». أما رئيس لجنة المالية في الكنيست، نيسان سلوميانسكي، فطالب الحكومة الإسرائيلية بالاعتذار من الإسرائيليين، في حال قبولها بوقف إطلاق النار مع «حماس»، وحذرت رئيسة لجنة الداخلية في الكنيست، ميري ريغيف، من أن أي وقف لإطلاق النار سيسمح لحماس باستعادة قوتها.
في مقابل ذلك، شددت مصادر دبلوماسية إسرائيلية في حديث لموقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» على أن «الاتفاق المتبلور» برعاية مصرية، من شأنه أن «يعيد الميدان إلى الحالة التي سبقت العملية العسكرية الحالية»، لكنها أضافت أن «هذا الاتفاق قد يؤمن لإسرائيل فترة هدوء من شأنها أن تمتد لسنة أخرى».
أما فلسطينياً، فكانت حركة «الجهاد الإسلامي» سابقة في الرد على هذه البنود، وذلك على لسان مسؤول العلاقات الخارجية في الحركة، خالد البطش، الذي تحفظ على ما أعلنته مصر في المبادرة، مشدداً على أن «إعلان مبادرات من هذا النوع لا يكون عبر الإعلام». وقال البطش في تصريحات تلفزيونية: «نرحب وندعم الجهد المصري، لكن لا تدار الأمور هكذا، وطرح المبادرات لا يكون في الإعلام»، مضيفاً: «هناك عناوين معروفة للمقاومة».
البطش أكد مطلب إنهاء الحصار على أنه «أساس أي تحرك لوقف إطلاق النار»، لافتاً إلى أن «المعركة الجارية هي معركة فارقة، ويجب أن يُبنى عليها أشياء كثيرة في استراتيجية الصراع مع الاحتلال». وأعاد القول: «لا تهدئة مع الاحتلال ما دام المجتمع الدولي بحقوقنا لم يعترف ويرفع حصار غزة». بعد ذلك جرى تداول أنباء عن دعوة الذراع المسلحة للجهاد، سرايا القدس، عناصرها إلى «إكمال مهماتهم وألا يلتفتوا إلى التهدئة».
«حماس» من جهتها أعطت إشعاراً بقبولها التوجه نحو التهدئة من دون حديث عن المبادرة، وذلك في تسجيل تلفزيوني لنائب رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، في أول ظهور له منذ بداية الحرب. ومع ذلك، رفض هنية أي تهدئة «لا تضمن رفع الحصار عن غزة ووقف الاعتداءات في الضفة والقدس». وقال بوضوح إن «المشكلة ليست في التهدئة، بل في الواقع الذي تعيشه غزة»، لكنه لم يغلق الباب في وجه الدبلوماسية، قائلاً: «لا يمكن أحداً تجاوز طلبات المقاومة التي تحافظ على دماء أبنائنا بالثبات في الميدان وفي اتجاه آخر الحركة السياسية التي تواكب عظمة هذا الميدان».
وتترافق المبادرة المصرية مع إثمار الجهود الأميركية في كبح الإسرائيليين عن الدخول في مواجهة برية، مع أنهم ليسوا في موقف يحمسهم على هذا القرار. وفي سبيل ذلك، يبدأ وزير الخارجية الأميركي اليوم جولة في المنطقة، كما أفاد مسؤولن أميركيون، على أن تشمل الجولة كلاً من القاهرة والدوحة. ويقول المسؤولون المصريون إن كيري يهدف إلى البحث في تطبيق المبادرة المعلنة، إضافة إلى تركيز جهوده أيضاً على الدور المصري في منع حماس من إعادة تسليح نفسها عبر الحدود.
ميدانياً، لا تزال حالة الاشتباك قائمة، إذ استشهد 17 مواطناً فلسطينياً وأصيب عشرات آخرون، ما رفع الحصيلة منذ بداية العدوان إلى 187 شهيداً و1390 مصاباً حتى منتصف الليل. وجددت إسرائيل سياسة قصف المنازل التي دمرت ما يقارب 283 منزلاً خلال ثمانية أيام، وآخر الاستهدافات كان لمنزل يعود إلى عائلة البطش في الشعف شرق حي التفاح (غزة)، وآخر لعائلة أبو جامع في مدينة خانيونس (جنوب).
أما المقاومة، فاستمرت في قصف المدن المحتلة محققة إصابات في الجنود والمستوطنين وفق اعترافات الجانب الإسرائيلي، كذلك جددت كتائب القسام (حماس) قصف مدينة تل أبيب بأربعة صواريخ، فيما انخفض معدل الإطلاق الصاروخي إلى أقل من 100 صاروخ تبنتها الفصائل كافة.




طائرات «أبابيل» الفلسطينية

بعد إعلان إسرائيل إسقاط طائرة استطلاع فوق مدينة أسدود المحتلة، سارعت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة «حماس»، إلى تبني المسؤولية عن إرسال هذه الطائرة، كاشفة في بيان أنها تمتلك طائرات من دون طيار تحمل اسم «أبابيل 1»، ولديها ثلاثة نماذج منها: طائرة A1A ذات مهمات استطلاعية، وطائرة A1B لمهمات هجوم - إلقاء، وطائرة A1C لمهمات هجوم - انتحار.
وبثّت «القسام» مقطع فيديو وصوراً قالت إنها التقطت حين تجربة هذه الطائرات، وظهر أنها تحمل أربعة صواريخ صغيرة، مضيفة: «نفذت طائراتنا أمس ثلاث طلعات، شاركت في كل منها أكثر من طائرة، وكانت لكل طلعةٍ مهمات تختلف عن الأخرى، وقد فُقد الاتصال مع إحدى هذه الطائرات في الطلعة الثانية ومع أخرى في الطلعة الثالثة».
ومضت تقول: «هذه ليست أول مرة نجري فيها مهماتٍ في العمق، ونكشف أن طائراتنا نفذت في إحدى طلعاتها مهمات محددة فوق مبنى وزارة الدفاع الإسرائيلية في تل أبيب».