غزة | ليس حدثاً عادياً أن تقصف المقاومة الفلسطينية تل أبيب على مدار ستة أيام، وتستخدم تكتيكات عسكرية مغايرة لتوقعات العدو والإقليم على حد سواء، دونما أن يفرض ذلك تشكيل خريطة جديدة لقوة الردع في المنطقة بعدما أصاب محور الممانعة شيء من التفكك إثر الخلافات السياسية التي بدأت منذ الأزمة السورية وتفاقمت بعد المشهد المصري المتأزم.


اليوم، يبدو أن الحرب القائمة الجارية ستدفع، وفق مراقبين، محور الممانعة (إيران، وسوريا، وحزب الله، وحماس، والجهاد الإسلامي) إلى إعادة ترتيب الأوراق، خاصة بعدما أثبتت المقاومة في غزة أنها على قدر التحدي وضد محاولات التهجين العربية الرسمية. كذلك أثبتت بالمفاجآت الجديدة، وليس آخرها طائرات الاستطلاع الهجومية، أن ما جرى من تمويل ودعم لوجستي على مدى سنوات أثمر بفرضها معادلة ردع جديدة، بل هي الأولى من نوعها في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الاحتلال.
بطريقة ما، أصبحت الحرب كرة رابحة في حال تأكدت إعادة اجتماع الحلفاء من خصوم التسوية السياسية مع إسرائيل، وذلك رغم تراجع مستوى التعاطف العربي مع قطاع غزة المحاصر نتيجة للاضطرابات السياسية في الساحات العربية ومواقف حركة «حماس» من بعضها. هذا بدا واضحاً في تصريحات مسؤول العلاقات الدولية في «حماس»، أسامة حمدان، الذي أكد من بيروت أن العلاقة مع حزب الله وإيران اليوم أفضل بكثير، مشدداً على أن هذه العلاقات قائمة على العمل لتحرير فلسطين، «لذا فإن الجميع حريصون على المحافظة عليها مهما تبدلت الظروف أو اختلفت وجهات النظر».
حمدان الذي لم يخل حديثه من لازمة «حماس» في تأكيد أن ما تطلقه على إسرائيل «مصنوع محلياً»، قال إن المعركة الدائرة في غزة ستكون في نهاية المطاف إنجازاً جديداً للمقاومة، مضيفاً: «هذا الإنجاز ليس في فلسطين فحسب، بل لكل قوى المقاومة في طريق مواجهة المشروع الصهيوني»، وهو أمر يحمل غزلاً واضحاً للحلف القديم الذي تغيّرت علاقة «حماس» به منذ اعتراضها على الأحداث في سوريا.

«الجهاد» تؤكد
أن المقاومة تواجه إسرائيل بما وفّرته إيران
من دعم

على ناحية أخرى، ترى حركة الجهاد الإسلامي التي حافظت على مسافة بعيدة من الأزمة السورية، أن المنطقة يعاد تشكيلها على ضوء الحرب الكبيرة التي تشنها إسرائيل على غزة، ومواجهة المقاومة الفلسطينية لها. وقال المتحدث باسم الحركة يوسف الحساينة إن «محور المقاومة يستجمع قواه ويعيد تشكيل المنطقة من جديد بعدما حاولت أميركا وحلفاؤها ملء فراغ تركته الأحداث التي جرت منذ ثلاث سنوات»، مشيراً إلى أن المقاومة تعبّر الآن عن آمال وتطلعات الشعوب التي وجهتها نحو فلسطين «وهي نفسها التي تتوق إلى نيل الحرية والاستقلال».
ونبّه الحساينة، في حديث إلى «الأخبار»، إلى ضرورة أن تواجه المقاومة الأطماع الإسرائيلية والأميركية في المنطقة «بالتركيز على دعم المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حماس». وتابع: «المقاومة تنوب عن الأمة في حربها ضد الاحتلال». وحذر في الوقت نفسه من أن «سقوط المقاومة في غزة يعني دخول المنطقة برمتها في الزمن الإسرائيلي».
عن احتمالات استعادة «حماس» علاقتها مع كل من إيران وحزب الله كما كانت سابقاً، يرى المتحدث باسم «الجهاد الإسلامي» أن «حماس حركة أصيلة لم تغادر موقعها وتعمل في طليعة المواجهة، ومن البداية محور المقاومة ينحّي الخلافات السياسية جانباً أمام القضية الفلسطينية التي لا خلاف عليها».
هذا الموقف أكده عن الحركة نفسها مسؤول العلاقات الخارجية في «الجهاد»، خالد البطش، الذي قال في تصريحات صحافية أمس إنه «لا الجامعة العربیة ولا منظمة التعاون الإسلامي قدمتا الدعم إلى غزة وهي محاصرة، ولا عقدتا اجتماعاً واحداً خلال الحرب عليها». وذكر البطش أن هناك دولاً شقیقة وصدیقة كإیران تقدم دعماً، متابعاً: «أقولها بصراحة وصدق، فلولا الله ورعایته لنا وما تقدمه الجمهوریة الإسلامیة من دعم مادي ومعنوي لكانت الأمور مختلفة. فكل ما نحن نقاتل به إسرائیل الیوم هو بفضل الله ثم الدعم الذي تقدمه إیران».
حول مآلات «الربيع العربي» الذي سبب الشرخ في محور المقاومة، علّق بالقول: «نأمل من الشعوب أن تواصل دورها الفاعل، كما نأمل من العرب أن یقدموا الدعم والسلاح وموقفاً سیاسیاً واضحاً، لكنهم مع الأسف متفرجون حتى هذه اللحظة وینتظرون نهایة المعركة، بل قد يتمنون أن تكون النهاية لمصلحة إسرائیل، وجلّ ما يستطيعون إرساله بعض السلال الغذائیة».
ومن الطبيعي، وفق المحلل السياسي حسن عبدو، أن يعاد تشكيل المنطقة، وأن «تعيد القوى المختلفة حساباتها في التعامل مع المقاومة الفلسطينية في غزة». إجابة عن سؤال فحواه «هل تظن أن الحرب قادرة على إعادة تجميع قوى الممانعة في المنطقة؟»، قال: «من المتوقع ذلك، لأن هناك حالة فرز في العالم وإعادة تشكيل دائمة لكل القوى، وفي الحالة الفلسطينية يجري التصنيف وفق الأطراف الداعمة للقضية، ومن هم ضدها». وأضاف لـ«الأخبار»: «الحرب الجارية ستخلق تحولات جديدة، وستعمل على إعادة تموضع كل القوى»، مؤكداً أن فلسطين ستجمع القوى الحليفة معها «مهما كان حجم الاختلاف على القضايا الإقليمية».
في الوقت نفسه، رأى عبدو أن إسرائيل متخوفة أكثر من أي وقت مضى «على ضوء إخفاقها في تحقيق إنجازات كبيرة في مجال صدّ صواريخ المقاومة التي تضرب العمق»، مستنتجاً: «المواجهة الصلبة في غزة ستكون لها تبعات كبيرة على الصعيد الإقليمي، كما ستعيد الاعتبار إلى القضية الفلسطينية».
ولم يرصد المحلل وفق متابعته أن هناك شرخاً كبيراً تجاه المقاومة، «بل يوجد اهتمام كبير من قوى الممانعة تجاه غزة وضرورة الاحتفاظ بخندقها، لذلك إذا ما تعرض خط الدفاع الأول لانهيار، فإن المحور كله سيتعرض لأزمة».
وعلى ما ستنتهي به الحرب، يتبين أن «حماس» على وجه الخصوص تعيد تأكيد انتمائها إلى المحور المقاوم بالاشتراك في الأهداف المضادة للاحتلال. والنتيجة المنطقية أن نتائج الحرب ستعيد التحالف إلى سابق عهده وإن جرى ذلك بالتدريج.
من جهة أخرى، يقول متخصصون أمنيون إن حزب الله يراكم الخبرة الناتجة من هذه الحروب، فهو يرصد التطورات العسكرية الجارية منذ ثلاثة حروب بعد آخر مواجهة كبيرة له ضد إسرائيل. أما على جانب إيران، فهي صنعت قاعدة إسناد إقليمية مؤثرة عبر دعم «حماس»، وتحملت ضغوطاً دولية كبيرة ومستمرة مقابل توفيرها الدعم للمقاومة، وهو ما يعني أنه ليس من السهل عليها الاستغناء عن قطف الثمار.