في آذار الماضي، بدأت معركة جبال القلمون. خلال أيام قليلة، تمكن مقاتلو حزب الله والجيش السوري من دخول عاصمتها يبرود. يومها، هُلِّل للحسم السريع للمعركة بعدما انهارت دفاعات مسلّحي المعارضة. لكن المعركة، وقتئذ، لم تكن قد انتهت، بل كانت المواجهة الحقيقية تُرَحّل. الحسم النهائي كان إعلامياً فحسب، أما سؤال «أين اختفى مئات المسلّحين الذين يعدّون نحو ٤ آلاف رجل؟»، فبقي من دون إجابة.


أما على أرض الميدان، فكان مسلّحو المعارضة ينسحبون إلى الجرود والمزارع. وعلى وقع تبادل الاتهامات بـ«التخاذل والخيانة وبيع يبرود»، بدأوا التموضع في جرود المعرة وفليطا وعرسال استعداداً للمواجهة المقبلة. وكما في يبرود، كذلك في الجرود. تولى أمير «جبهة النصرة» في القلمون «أبو مالك التلّة» قيادة غرفة العمليات. تُريد «النصرة» تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية أيضاً. وتكشف مصادر جهادية أن تحرك «النصرة» العسكري يأتي في سياق قرب إعلان أبو محمد الجولاني «إمارة الشام»، بعد تسريب الخطاب غير الرسمي للتأسيس لهذه الإمارة. وتشير المصادر إلى أن «النصرة» بعد توالي الهزائم عليها في الشمال السوري تحت ضربات «الدولة الإسلامية»، تسعى إلى تثبيت موطئ قدم لها في محافظتي حمص وغوطة الشام.


هجمات «النصرة»
لمنع الحزب من فصل عرسال عن جرودها وقطع الإمدادات


هكذا، وبعد نحو أربعة أشهر على المواجهة الأخيرة، بدأت تُقرَع طبول المعركة مجدداً. هيّأ لها هذه المرة «أبو مالك» الذي خرج في تسجيل صوتي للمرة الأولى، باسم «أبو مالك الشامي»، مهدداً بمهاجمة القرى الشيعية ووعد بـ«تحرير أسرى رومية». نُشر التسجيل في الثاني من الشهر الجاري. أراد «أمير النصرة» بهذه الخطوة ضرب عصفورين بحجر واحد: شد عصب عناصر التنظيم الذين بدأ التململ يتسرّب إلى صفوفهم، في ظل تواري الأمير العام أبو محمد الجولاني، في مقابل صعود نجم «دولة البغدادي». وثانياً، إثبات وجود تنظيمه على الساحة اللبنانية بعدما بدأ جنود «الدولة الإسلامية» الانتحاريون بغزو لبنان. وقد برز لافتاً مبالغة الشيخ السوري عندما تحدث عن مهاجمة لبنان بآلاف المقاتلين، علماً بأن عناصر «النصرة» في القلمون لا يتجاوزون ٦٠٠ مقاتل، بحسب مصادر جهادية، من أصل ٣ آلاف مسلّح كحد أقصى يتوزّعون على مختلف بقايا فصائل الجيش الحر و«الكتيبة الخضراء» و«كتيبة أنصار الشريعة».
على وقع تهديد «التلّي»، استنفر حزب الله عناصره، ولا سيما أنه ترافق مع توافر معلومات لدى قيادة الحزب عن استعداد «النصرة» لتنفيذ هجوم كبير على بعض القرى اللبنانية المحاذية لجرود نحلة. وبعد أيام قليلة على بث التسجيل الصوتي، انتشر عناصر الحزب عسكرياً بعتادهم الكامل في القرى المهددة. نجح الحزب في إلباس استنفاره زي الاستعراض العسكري للحؤول دون هلع الأهالي، فيما الحقيقة كانت توقّع هجوم كبير في أي لحظة. لم يحصل شيء. اقتصرت المواجهات على الجرود. كانت المعلومات المتوافرة تشير إلى أنّ «النصرة» تستعد لتنفيذ هجومها على الأراضي اللبنانية في ١٣ الجاري، أي الأحد الفائت، ما دفع مقاتلي الحزب إلى استباقها بهجوم مباغت ليل السبت. اندلعت معركة كبيرة، تكبّدت فيها «النصرة» خسائر كبيرة. هدأت الجبهة لساعات، لكن استنفار عناصر الحزب لم يهدأ، قبل أن تتجدد الاشتباكات عند غروب الأحد. تنقل مصادر من «النصرة» لـ«الأخبار» أن «الإخوة تمكنوا من إيقاع الحزب في كمين محكم». تكشف المصادر أن «عناصر الجبهة أوهموا الحزب بأنهم يتراجعون على وقع اشتداد المعارك، لكن الحقيقة كانت خلاف ذلك». تتحدث المصادر عن وجود عدد كبير من عناصر «النصرة» كمنوا لمقاتلي الحزب في مغاور وحُفر كانوا قد حفروها واختبأوا فيها، بناءً على إشارة الشيخ أبو مالك، أمير «النصرة» الذي تولى قيادة المعركة. وتشير المصادر إلى أنه «بعد تقدّم مقاتلي الحزب، بادرناهم بهجوم مباغت أسفر عن سقوط العشرات منهم بين قتيل وجريح». في موازاة ذلك، تروي مصادر «النصرة» أنّه في خضم المعركة، حاولت مجموعات من حزب الله التسلل في محاولة لقطع جرود المعرة عن جرود عرسال، لكنهم وقعوا في الكمائن المنصوبة، متحدثة عن «عشرات الإصابات في صفوف القوة المهاجمة التي تفرّق عناصرها وولّوا مدبرين على وقع ضرباتنا». وتشير المصادر إلى أن «الحزب كان يحاول تكرار الأسلوب الذي اعتمده في يبرود بإرسال مجموعات تتسلل إلى العمق الناري لتُسيطر على التلال من خلف خطوط المدافعين، لكنه فشل هذه المرة إذ كان ينتظر قدومهم مئات المسلحين». وتتحدث المصادر الجهادية عن أن «الحزب يعتمد خطة يحاول فيها قضم الجرود وتقطيع أوصالها تمهيداً لعزل عرسال قبل فصلها عن جرودها»، علماً بأنه فصلها عن جرود الزبداني قاطعاً الإمدادات بينهما. وترى المصادر أنه في ذلك يقوم بمحاصرة المسلحين المتحصنين فيها، كاشفة أن «الهجمات المتكررة التي تنفّذها النصرة تسعى لمنع الحزب من فصل عرسال عن جرودها، لأنه إذا نجح فسيتمكن من قطع خط الإمدادات الطبية والغذائية عن المقاتلين المتوزعين في الجرود».
وتشير مصادر «النصرة» إلى أن في حوزتها جثّتين لمقاتلين من حزب الله. أما في ما يتعلّق بالأسرى، فتكشف المصادر عن أسر الحزب ١٥ مسلّحاً، بعضهم ينتمي إلى النصرة تنظيمياً. وتتحدث المعلومات عن إصابة قيادي كبير في «جبهة النصرة»، غير اللبناني أحمد يقظان، استُهدف موكبه في الجرود قبل أن يُصار إلى نقله إلى أحد مستشفيات عرسال، لكن لم تُكشف هويته بعد. وقد نعت «النصرة» على حسابها على موقع تويتر أحد إعلاميي «جبهة النصرة» في القلمون أبو عزام الشامي الذي كان مقرّباً من أمير النصرة، وقد نشرت صور تُظهر الجزء الجانبي لوجه الشيخ يُسجّي فيها جثة الشامي.