العدوان الهمجي على غزة، الصمود، المقاومة... لحظة شعورية كثيفة لاستعادة وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والمنافي والمهاجر. المفارقة الكبرى أن هذه اللحظة أثمرت لدى فلسطينيي الـ48 ــــ وهذه ضربة عميقة للكيان الإسرائيلي ــــ وكذلك، لدى العديد من التجمعات الفلسطينية في الغرب. لكنها، حتى الآن، ذات تأثير ضعيف نسبياً في الضفة الغربية، أو أنها مكبوحة أمنياً بشدة. ولكن في الأردن، حيث المسيرات والتجمعات السياسية مسموح بها، قانونياً وواقعياً منذ 2011، يلاحظ المراقب أن المبادرات التضامنية مع غزة لا تزال محدودة بصورة مثيرة للقلق.


لم تقم الحركة الوطنية الأردنية، التي أشعلت انتفاضة عارمة في المحافظات والعاصمة ضد عدوان 2008 ــــ 2009 على غزة، بأي مبادرة تُذكَر حتى الآن، أما مبادرات الجمهور الفلسطيني، فيمكننا تعدادها كالتالي:
ــــ تظاهرة شبه يومية في حي النزهة بمشاركة واسعة نسبياً (حوالي 2000 ــــ 3000 مشارك)،
ــــ تظاهرة يومية عنيفة في مخيم البقعة بمشاركة مئات، تعمل على قطع طرق عمان ــــ إربد. ومن الواضح أن اتجاهها إلى العنف ناجم عن عدم الالتفاف الجماهيري حولها،
ــــ تظاهرات في مخيم الوحدات بأعداد أقل، ذات طابع سلمي،
ــــ وقفة شبه يومية لمجموعة مناضلين بالعشرات، أمام السفارة الإسرائيلية بعمان.
هتافات المتظاهرين تركز على وحدة فتح وحماس والشعبية (لا وجود، تقريباً، لمؤيدي الجهاد)، وأحياناً الهجوم على الرئيس الفلسطيني محمود عباس ــــ في المقابل هناك من يهتف بحياته ــــ ولكن الشعار الأبرز هو الطعن في وطنية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. عموماً، يتجاهل المتظاهرون الإشارة إلى مواقف النظام الأردني.
يحشد الإخوان المسلمون ما يقارب الألف من أنصارهم في منطقة الريجنسي، غربي عمان، يوماً بعد يوم. هتافاتهم الايجابية تمجّد حماس ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، على وجه الخصوص، وتذمّ السيسي والرئيس بشار الأسد وإيران وحزب الله، وتكذّب ما شاع من أن مصدر الصواريخ الغزاوية هو سوريا وإيران، وتروّج أن العدوان على غزة أتى في سياق خلط الأوراق وخدمة النظام السوري «الطائفي حليف إسرائيل». ليلة غد الخميس، ينظّم الإخوان فعالية كبرى أمام السفارة السورية، للدعاء لله، في ما يُتوقع أنها ليلة القدر، لنصرة الثورة السورية واسقاط الأسد.
من الواضح أن لحظة غزة البطولية لم تخترق البرنامج السياسي لإخوان الأردن. فما تزال سوريا على رأس أولوياتهم، أو للدقة، فإنهم يخشون من أن يؤدي الصدام مع العدو الإسرائيلي، ومواقف محور المقاومة الداعمة لمقاومة غزة، إلى تفكيك منظومة العداء لسوريا وحزب الله لدى جماهير الإخوان في الكتلة الفلسطينية ــــ الأردنية. وربما تكون محصلة هذا الاتجاه عكسية؛ بحيث أنها أضعفت فعلاً استجابة هذه الجماهير للفعاليات الإخوانية. هنا، يمكننا القول إن اتصال الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، بخالد مشعل، كان مُحرجاً للغاية بالنسبة للإخوان؛ كذلك كانت اطلالة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، رمضان عبدالله شلّح، على «الميادين»، واعلانه أنه التقى نصر الله مؤخراً، في مكانها. ولعلها لحظة مناسبة لبروز شلّح جماهيرياً. مشكلته عدم وجود رافعة سياسية محلية للجهاد.
المشهد الأردني ــــ الفلسطيني الذي حاولنا إيجازه أعلاه حول غزة، يطرح أسئلة سياسية، عميقة وراهنة:
ــــ لماذا تنأى الجماهير الشرق أردنية بنفسها عن التضامن الفعّال مع غزة؟ هل يعود ذلك الى ارتباط قضية غزة بالعنوان الحمساوي؟ أم هو اليأس من فشل الحراك الشعبي لأعوام 2011 ــــ 2013؟
ــــ ولماذا تعتكف أغلبية الجماهير الفلسطينية عن نصرة غزة؟ من المفهوم، إلى حد ما، اعتكاف الأوساط البرجوازية والبرجوازية المتوسطة، الغائبة عن كل نشاط سياسي يبرز هويتها الفلسطينية، لكن ماذا عن المخيمات؟ تُظهر آخر إحصائية سكانية أن أربعماية ألف فلسطيني فقط من أصل أكثر من مليونين ونصف مليون لاجئ ونازح في الأردن، لا يزالون يقيمون في المخيمات التي كانت، وتظلّ، مركز النضالية الفلسطينية. أشرنا، سابقاً، إلى الدور السلبي الذي يلعبه الإخوان في تلافي التحشيد الواسع لنصرة غزة، خوفا من ضياع التحشيد المضاد للنظام السوري، كذلك اتجاه التهدئة لدى أنصار فتح، الهادف إلى تثبيت ردود الفعل الجماهيرية في الضفتين عند الحد الأدنى الذي لا يؤول إلى أجواء انتفاضة. لكن، ربما ينبغي البحث عن سبب أعمق لهذه الفاجعة التي تعيشها الجماهير الأردنية والفلسطينية؛ فاجعة الانفصال عن الحدث الفلسطيني.
السبب الرئيسي، في رأيي، أنه لا توجد مطالب سياسية ملموسة لدى النخب والقيادات الشعبية، موجهة إلى النظام الأردني، بصدد غزة أو القضية الفلسطينية بشكل عام؛ هناك شعور عام بأن المملكة ضعيفة ومهمّشة سياسياً، وأنها بلا دور أو استعداد للقيام بدور سياسي جدي على المسرح الفلسطيني. في المقابل، هناك شعور بالرضا على قدرة الدولة على ضمان الأمن الداخلي الذي يعدّه الأردنيون والفلسطينيون ــــ الأردنيون، انجازاً هائلاً في إقليم متفجر!