حيفا | سقط الأسبوع الماضي صاروخ أطلقته المقاومة من غزة على تجمع عربي بدوي في النقب، فقتل الشاب عودة الوج وأصاب أربعة آخرين من أفراد عائلته. حادث مماثل كان قد وقع في النقب قبل ذلك بأسبوع، أصيبت فيه طفلتان، ولحسن الحظ لم يكن هناك قتلى.


من الفور، تحركت جهات حقوقية وإنسانية مطالبة بتوفير الحماية لقرى النقب، بما فيها التجمعات البدوية في الصحراء، إما بتوفير الملاجئ أو بإدخال منظومة القبة الحديدية إلى مناطق النقب العربية، ولا يزال الموضوع قيد البحث في التماس قُدّم إلى المحكمة العليا، لكن النتائج حتى الآن لا تبشّر بشيء.
المشكلة لا تقتصر على النقب دون سواه، فكل المدن والقرى والبلدات داخل أراضي الـ48 تفتقر إلى بنى تحتية أساسية، فما بالنا بالملاجئ ووسائل حماية المدنيين الأخرى. لكن مقتل الشاب الوج هو ما وضع النقب في مركز الاهتمام.
واقع مماثل حدث إبّان العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز ــ آب 2006، حين قضى عدد من سكان الـ48 بصواريخ المقاومة اللبنانية. حاولت إسرائيل استثمار ذلك لخلق حالة عداء داخل فلسطينيي الـ48 في وجه حزب الله والمقاومة اللبنانية، وحين أخفقت في ذلك عاقبت بعض ذوي الضحايا لأنهم رفضوا اتهام حزب الله أو رفع قضايا دولية ضده.


يرفض الشبان الفلسطينيون الظهور كمن يطلب الحماية
من إسرائيل

قبل يومين فقط، وتحديداً عقب التماس قدّمته جمعيات متعددة، منها جمعية حقوق المواطن للمحكمة العليا بشأن ضرورة توفير الحماية لقرى النقب، أصدرت المحكمة نفسها قراراً جزئياً يلزم الدولة (والجبهة الداخلية) بتقديم رد خلال ثلاثين يوماً من تاريخ إصدار القرار. لكن المسافة بين قرار المحكمة ورد الدولة قد تكون قاتلة، خاصة في منطقة تشهد أجواء حرب حقيقية.
كذلك فإن المحكمة أوضحت في قرارها أنه لا غبار على قرار الجبهة الداخلية في عدم توفير الحماية (توزيع ملاجئ اسمنتية متنقلة) لقرى النقب البدوية، وأنها ــ أي المحكمة ــ ليس من صلاحياتها بصفتها سلطة قضائية أن تتدخل في إجراءات هي من اختصاص الحكومة والسلطة التنفيذية.
هكذا، يجد سكان النقب أنفسهم ضحايا للعبة لغوية، وتلاعب بالمصطلحات والتبريرات، في حين يواصلون العيش في بيوت الصفيح تحت قارعة السماء دون توفير حماية ملائمة سببها إجراءات الاحتلال ضدهم منذ أشهر مضت.
وكانت الوكالة الفرنسية قد تحدثت في تقرير بعنوان «بدو النقب معرضون لإطلاق الصواريخ من غزة في غياب ملاجئ تحميهم» عن معاناة المصابين من عرب النقب، في ظل رفض الحكومة الإسرائيلية تأمين ملاجئ لهم، في وقت تسعى فيه الماكينة الإعلامية الإسرائيلية جاهدةً لخلق شرخ بين سكان النقب والمقاومة، عبر تصوير المتضررين من جرّاء وقوع الأخيرة على أنهم ضحايا «إرهاب حماس».
المحامية نسرين عليان، من جمعية حقوق المواطن، عقّبت على قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بالقول: «التهديد لحياة سكان النقب لم يعد افتراضياً بمجرد سقوط ضحايا، هذه حالة استثنائية، ويجب على المحكمة إزاءها أن تتصرف بما يلائم».
ويُحجم عدد من الشبان العرب عن الحديث في الموضوع نظراً إلى حساسيته، وكي لا يظهروا كأنهم يطالبون إسرائيل بحمايتهم من المقاومة، لكن القضية صارت ذات بعد إنساني محض بعيداً عن أي اعتبارات سياسية.
هذه الأزمة نابعة من إشكالية الوضع القانوني لفلسطينيي الـ48، ومن كونهم يُعتبرون مواطني دولة تعادي شعبهم وأمتهم، في وقت يُعتبر فيه إخوتهم (في غزة أو لبنان) رسمياً «أعداءً».
لكن الواقع المرير يدحض كل نظرية، ويستمر عرب النقب في حياتهم اليومية وإن قتلتهم صواريخ الإخوة ولم تحمهم ملاجئ الأعداء!