على وقع الأصداء التي تركها انهيار أحد الأنفاق في قطاع غزة على الساحة الإسرائيلية، لم يستطع رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، تجاهل الحدث، برغم أنه يعزز صورة إسرائيل التي لم تنتصر في عدوانها الأخير على القطاع، «الجرف الصامد». لكنه في محاولة لقطع الطريق على منافسيه في معسكر اليمين، وجه تحذيراً إلى المقاومة في قطاع غزة، متوعداً بأنه إذا هوجمت إسرائيل عبر هذه الأنفاق، فإنها ستردّ بقوة أكبر.

المؤكد أن إسرائيل لم تكتشف جديداً عندما أُعلن انهيار النفق في غزة واستشهاد سبعة مقاومين من «كتائب القسام» فيه بسبب المنخفض الجوي الأخير، ولكن المفاعيل التي تركها تحول عملية حفر الأنفاق إلى قضية ملموسة لدى الجمهور الإسرائيلي، وتصدره إلى الساحتين السياسية والإعلامية في إسرائيل. لذلك وجد نتنياهو نفسه في موقع المدافع عن خياراته السياسية والعملانية إزاء القطاع، فاستغل مناسبة الكلمة التي ألقاها أمام مؤتمر السفراء الإسرائيليين في الخارج، كي يعزز صورته كزعيم يوجه التهديدات في الاتجاهات كافة عندما يتعلق الأمر بأمن إسرائيل، خاصة أن القضية تتعلق بتكتيك (الأنفاق الهجومية) بات له حضوره القوي في وجدان مستوطني غلاف غزة ويبث الرعب في نفوسهم.

«حماس تقترب بالتفكير العسكري إلى المفهوم العملاني لحزب الله»

مع ذلك، لم يذهب نتنياهو بعيداً عن خياراته السابقة، وحدد أن إسرائيل تعمل «بنحو منهجي وبرباطة جأش ضد جميع التهديدات، بما في ذلك التهديد الذي تمثله حركة حماس». أما عن الخيار الفعلي الذي يتبناه، فلم يذهب إلى حد التزام التعهد باجتثاث التهديد الذي تمثله فصائل المقاومة في غزة، وتحديداً عمليات حفر الأنفاق، كما يطالب بعض رموز اليمين، بل اكتفى بكلام عام عبر الحديث عن استخدام «الوسائل الدفاعية والهجومية على حد سواء».
ولجهة المبادرة إلى عمل وقائي أو استباقي، اكتفى نتنياهو بالتعهد بالرد، وذلك بالإشارة إلى أنه «في حال الاعتداء علينا عبر الأنفاق التي تمتد من قطاع غزة سنرد بقوة كبيرة جداً». وتابع: «أعتقد أنهم يفهمون ذلك في منطقة الشرق الأوسط ويفهمون ذلك أيضاً في أنحاء العالم كافة. آمل ألا نحتاج إلى ذلك، لكن قدراتنا الدفاعية والهجومية تتطور بسرعة ولا أقترح على أحد اختبارها».
في السياق نفسه، رأى وزير الأمن الإسرائيلي، موشيه يعلون، أن على الجيش الإسرائيلي التعامل بروية ومسؤولية مع أنفاق المقاومة الفلسطينية على طول الحدود مع قطاع غزة. ورد على رئيس «المعسكر الصهيوني»، يتسحاق هرتسوغ، الذي طالب الحكومة بالانتهاء من قضية الأنفاق وإعطاء الأوامر للجيش بشن حرب عليها وأن يكونوا واضحين مع المستوطنين الذين يشعرون بحفر الأنفاق في مستوطنات غلاف غزة، موضحاً أن «أجهزتنا تفحص البلاغات كافة التي تتلقاها من سكان المستوطنات المحيطة بقطاع غزة حول سماع دوي أعمال حفر. لم يُكتشَف حتى الآن أي نفق اخترق المستوطنات».
وفي محاولة لاحتواء القلق والرعب الذي يجتاح مستوطني غلاف غزة، عقد لقاء بين رؤساء السلطات المحلية في تلك المنطقة، وقائد فرقة غزة، العميد ايتي فاينروب، الذي قدم عرضاً عن الوضع في غزة حالياً، وقال: «نحن في وضع أفضل بكثير مما كان قبل العملية الأخيرة». وبهدف طمأنة المستوطنين، قال فاينروب: «نعرف الخطر اليوم، ونستثمر الجهود الكبيرة ولا نوفر في الموارد من أجل محاولة كشف الأنفاق. من الواضح لنا أن حماس تواصل الحفر. هذه هي فرضية العمل لدينا. لا يوجد حل شامل لكشف الأنفاق، ولكننا نعمل بلا توقف ونمشط المنطقة».
في المقابل، طالب رؤساء السلطات المحلية بتنفيذ مشروع «إقامة العائق» على امتداد حدود غزة، رداً على تهديد الأنفاق، فرد فاينروب قائلاً إنه لا توجد قيود مالية في معالجة الأنفاق. ورداً على ادعاء السكان أنهم يسمعون ضجيج حفر الأنفاق، قال: «يجري فحص كل شكوى جيداً، ويجري القيام بأعمال علنية وسرية لكشف الأنفاق. يمكنني القول لكم إننا نستثمر كل ما يمكن من أجل توفير رد للتهديد الجوفي».
على خط موازٍ، ذكرت ممثلة وزارة الأمن الإسرائيلية، كارين ألهدر، في نقاش خاص تناول غلاف غزة، أنه جرى التوصل إلى اتفاقات حول الموازنة المرصودة لتطوير تكنولوجيا كشف الأنفاق، لكن «حتى الآن لا يمكن نشر الجدول الزمني المتوقع لذلك». ولفتت ألهدر إلى أن الجدول الزمني لذلك سيحدد في جلسة سرية للجنة الفرعية للأمن، التابعة للجنة رقابة الدولة.
في سياق متصل، رأى معلق الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن دخول قوات الجيش الإسرائيلي، خلال عملية «الجرف الصامد» إلى أطراف القطاع من أجل تدمير الأنفاق، هو الذي أدى إلى سقوط إصابات كثيرة في الجانب الإسرائيلي. ولفت إلى تحول الأنفاق إلى سلاح هجومي لدى «حماس». وأضاف: «يبدو أن حماس تقترب من جهة التفكير العسكري إلى المفهوم العملاني لحزب الله الذي بلوره في حرب لبنان الثانية. هناك أمران من شأنهما إحداث التدهور في القطاع: الأوّل، محاولة حماس تنفيذ ضربة استباقية من خلال عدة أنفاق هجومية في نفس الوقت، خشية من أن تكشفها إسرائيل وتدمرها. الثاني، نجاح محاولات المنظمة في تنفيذ عمليات كبيرة في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر، الأمر الذي سيُسرع الرد الإسرائيليّ في القطاع».
وخلُص هرئيل إلى القول إن الحرب الجديدة في غزة ليست قدراً، ومنع اندلاعها يرتبط أيضاً بتل أبيب وبسلوك مدروس من المستوى السياسيّ، إضافةً إلى «نجاح الجيش والشاباك في إفشال خطط حماس الهجوميّة».