حتى وقت قريب، كانت «عودة» أزلام الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، إلى الحكم أو حتى إلى الحياة العامة خطّاً أحمر. تُطلق صافرات الإنذار حين تخطّيه، وتبدأ حملات التصدي والتشهير، تصل إلى حد التجريح والتهديد، إن جرى تجاوزه. إلا أن هذه «الحماسة الثورية» خفتت شيئاً فشيئاً، في السنوات التي تلت الثورة، فأصبح ظهور «رجال بن علي»، على الوسائل الإعلامية وفي الاجتماعات العامة واللقاءات السياسية أمراً مألوفاً. يتغلغلون وسط النسيج السياسي والإعلامي والاقتصادي لتونس ما بعد الثورة.
عاد الجدل إلى الواجهة، بعد ظهور وزير الصحة الأسبق، في حكومة بن علي، منذر الزنايدي على الساحة السياسية، مرة أخرى، في لقائه مع رئيس البلاد، الباجي قائد السبسي، دون أن ترشح أي معلومة عن فحواه.

عدد كبير من رجال بن علي يتمتعون بالكفاءة بحكم خبرات متراكمة

وأكّدت مصادر مقربة من الزنايدي لـ«الأخبار» أن الرجل يتفاوض مباشرةً مع أطراف سياسية فاعلة، لتاسيس جبهة وسطية منفتحة، تخوض الاستحقاقات الانتخابية القادمة. أوّلها الانتخابات المحلية التي ستدور، بحسب التقديرات، أواخر الـ 2016.
وكان الزنايدي قد ترشح للانتخابات أواخر 2014، إلى جانب شخصيات عديدة عملت مع النظام السابق، بل كانت في الصفوف الأمامية مع بن علي، كالوزير الأول الأسبق حامد القروي، ووزير الخارجية كمال مرجان، بالإضافة إلى السبسي، الذي تولى مهمات رئاسة البرلمان إبّان النظام السابق.
ويقرّ العديد من السياسيين، وحتى معارضو بن علي، بأن الزنايدي يتمتع بعلاقات طيبة في الوسط السياسي، وكان لا ينخرط في حملات التشويه والتخوين التي تستهدف معارضة بن علي. لذلك وجد حفاوة وترحاباً كبيرين من مختلف الأطياف السياسية، لدى عودته لتونس. أما آخر وزير خارجية، في عهد بن علي، كمال مرجان، فقد شارك في انتخابات 2014 عن حزب «المبادرة»، الذي أسسه عقب الثورة.
أخيراً، أفرج القضاء التونسي عن رجل الأعمال المعروف وصهر الرئيس السابق، سليم شيبوب، ولقي عقب خروجه من السجن استقبالاً شعبياً، خصوصاً أنه كان رئيس فريق الترجي التونسي، لكرة القدم، والأكثر شعبية في تونس. كذلك سارع عدد من السياسيين من مختلف التيارات إلى زيارته في منزله.

«الثورة المضادة» تعود عبر الإعلام

«عودة المنظومة السابقة هي نتاج لنجاح الثورة المضادة في شيطنة الثورة، وتصويرها في أذهان التونسيين أنها لم تأتِ لهم بشيء جديد»، هكذا صوّر القيادي في حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، سمير بن عمر، عودة رجال بن علي للمشهد السياسي. ورأى، في حوار مع «الأخبار»، أن «الثورة المضادة استعانت بأذرع عديدة لتنفيذ هذا المخطط، خاصةً وسائل الإعلام التي ترزح كلها تحت سيطرة المنظومة القديمة».
واستدرك بن عمر قائلاً إن الناس بدأوا يكتشفون «خيوط المؤامرة والكذبة الكبرى»، التي سوّقت لها وسائل الإعلام بأن «المنظومة القديمة قادرة على استرجاع عافية الوضع الاقتصادي وإصلاح البلاد، وذلك بعد غسل الدماغ الذي خضعت له على امتداد 3 سنوات»، بحسب تقديره. وتطرّق بن عمر إلى تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، معتبراً أنها «نتاج طبيعي لجملة الوعود التي قدمها حزب نداء تونس الذي يُعَدّ امتداداً لحزب التجمع (حزب بن علي)، ليثبت في ما بعد زيفها».
وأشار القيادي في المؤتمر إلى أن «أنانية النخبة السياسية وصراعها على السلطة الذي دفعها إلى المقايضة ووضع يدها في يد رجال النظام السابق»، كانت من أسباب عودة المنظومة السابقة. ولفت بن عمر إلى أن حزب «الجبهة الشعبية»، الذي يقوده اليساري حمة الهمامي، وضع يده بيد «نداء تونس»، وطبّع معه على أساس تكوين جبهة موحدة، مضيفاً أن «حركة النهضة سارت بدورها في نفس المسار وتحالفت مع نداء تونس على أساس المصالح».
الكفاءة تعيد رجال بن علي
ويرى الإعلامي التونسي، برهان بسيس، أن رجوع رجال بن علي لتصدر المشهد السياسي يؤكد «سقوط الفرز الإيديولوجي الذي حاول البعض أن يقيم عليه قاعدة الحياة السياسية بعد الثورة»، مضيفاً: «لقد بان أن الفرز الحقيقي الذي عاشته البلاد منذ عام 2011 هو الفرز بين الكفاءة واللاكفاءة».
ورغم إقراره بأن الكفاءة لم تقتصر على رجالات المنظومة السابقة، إلا أن عدداً كبيراً من رجالها كانوا يتمتعون بالكفاءة بحكم الخبرة والمعرفة والدراية، والتي راكموها طوال 60 سنة من الحكم، إبان حكم بن علي وقبله مع الرئيس بورقيبة.
ولا يحمل بسيس حكومات ما بعد الثورة، ولا المنظومة السابقة مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، التي تعيشها تونس. ودعا إلى التباحث في هذه القضايا الجوهرية والحارقة، بعيداً عن الإيديولوجيا والصراع السياسي والخطاب الشعبوي.
ويهيب بسيس بمواقف «النهضة» التي تدعو إلى المصالحة مع رجال النظام السابق، معتبراً أن «النهضة فهمت الدرس أكثر من الحداثيين، وقامت بمراجعات جوهرية من ناحية تخفيف منسوب الأيديولوجيا في السياسة والتحول أكثر ما يمكن نحو البراغماتية السياسية»، بعيداً عن الفرز الأيديولوجي.