غزة | هي المرة الثالثة التي تقصف فيها مدارس «الأنروا» خلال هذه الحرب. الأولى أتت سليمة بعدما أنذر الاحتلال مدارس المغازي وسط قطاع غزة قبل قصفها، لكن الثانية تحولت إلى مجزرة في بيت حانون (شمال) قتلت نحو 15 نازحا، و«تاهت» فيها وكالة الغوث عن تحديد سبب القصف باستنادها إلى الرواية الإسرائيلية التي تحدثت عن اشتباكات هناك. أما أمس، فجرت المجزرة في مخيم للاجئين لا يحتوي على أي مساحة واسعة لإطلاق رصاصة! وأخذت في طياتها 17 شهيدا آخرين وعشرات الإصابات الخطيرة.


بعدما انتهى المصلون من أداء صلاة الفجر في مساجد الجزء الشمالي من مخيم جباليا للاجئين، خرجوا من تلك المساجد نحو مركز الإيواء القريب في مدرسة «أبو حسين»الابتدائية. لم يعرفوا أنهم سيكونون على موعد مع مجزرة بشعة. هربوا من الموت إلى الموت، فتناثرت أشلاؤهم ودماؤهم مجددا على جدران المدرسة وفي ساحاتها.


هذه المرة هي
الثالثة التي يجري فيها استهداف مدارس وكالة الغوث مباشرة

في البداية، لم تكن القذائف موجهة نحو المدرسة، بل كانت عشوائية وشملت بيوت المنطقة المحيطة كلها. فجأة قررت المدفعية استهداف المدرسة، فدمرت البوابة الخارجية وصفين في مقدمة ووسط المدرسة وحماماتها، إضافة إلى ثلاثة منازل بجوارها. المشهد كان أشبه بمسرح دم كبير تعلوه الجثث المقطعة، ومصابون بترت أيديهم وأرجلهم ولا يقدرون على الكلام أو الصراخ. حتى بعض الحيوانات التي كانت على باب المدرسة قتلت وصارت أشلاء اختلطت بأشلاء الناس.
يقول الصحافي محمد عوض، وهو من سكان المنطقة، وسارع إلى توثيق الحادث، إنها تكاد تكون «أبشع مجزرة» يراها منذ بداية الحرب. ويذكر لـ«الأخبار» أنه أحصى نحو 15 قذيفة ضربت المدرسة مع الشارع الذي يفصلها عن منازل المواطنين، مضيفا: «كانت الضربات مفاجئة وعشوائية... الناس لم تع للحظة ما حدث، ولم يستطيعوا الهرب».
ويضيف عوض أن أفرادا من عائلتي النجار والعامودي استشهدوا، إضافة إلى حارس المدرسة الذي يعمل في «الأونروا»، مستدركا: «داخل فصل واحد استشهد ثمانية أشخاص». ويشير إلى أن الحرائق نشبت في المدرسة فأصابت مخزنا للوقود ومولد كهرباء، ما ساعد على توسع النار. كذلك يلفت الصحافي إلى أن العائلات التي نزحت إلى «أبو حسين» غالبيتها من مناطق الشمال الزراعية، «لذلك هربت بعرباتها مع الحصن والحمير، وهي إن تركت بيوتها، لكنها تمسكت بالعربات التي هي مصدر رزقها»، مؤكدا أنه لم يجر أي تحذير مسبق للمدرسة.
المواطن محمد مهنا كان هو الآخر شاهداً على المجزرة، ويقول: «من يعرف المنطقة المكتظة بالناس يعلم تماما أنه ما من مساحة صغيرة لإطلاق الصواريخ منها، وكل المنطقة مدنية والاحتلال يعلم ذلك». وكان مهنا من أول الحاضرين في المكان، وساعد على نقل المصابين، مشددا لـ«الأخبار» على أن هناك جهات من «الأونروا» كانت تتفحص المدارس ومن حولها «لتتأكد إذا كان هناك أي تهديد لأرواح الناس».
أما فؤاد أبو قليق، الذي كان يحتمي بالمدرسة، فقال إنه بقي يجمع الأشلاء من داخلها، متحسرا على مصير هذه العائلات التي جاءت لتحتمي بوكالة الغوث. وعقّب مستنكرا: «كان يجب على الأونروا حمايتنا، لكنها لم تقدر على حمايتنا ولم تُعرها إسرائيل أي اهتمام».
وتحدثت المصادر الطبية عن «17 شهيدا و65 إصابة جراء المجزرة». وأشارت إلى أن معظم الحالات حرجة، وبعضها «يحتاج إلى عمليات جراحية سريعة»، بل إن بعض العمليات لا يغطى احتياجاتها في مستشفيات غزة.
أمام هذا المشهد الذي تكرر للمرة الثالثة في الحرب الجارية، وجهت «الأونروا» إصبع الاتهام إلى إسرائيل بقتل الأطفال والنساء في مدرسة أبو حسين، وطالبت بمحاسبتها، بعدما عاين وفد منها الموقع وجمع الأدلة، وفق بيانها الذي ذكر أن الوفد حلل الشظايا وعاين أدلة الحفر التي خلفها القصف وغيرها من الأضرار.
وقالت «الأونروا»: «قتل الأطفال وهم نيام بجانب أهاليهم على أرضية أحد الفصول الدراسية في أحد ملاجئ الأمم المتحدة المخصصة للنازحين... هذه صفعة وإهانة لنا جميعاً، ووصمة عار على جبين العالم، واليوم يقف هذا العالم مخزياً».
وتابع البيان: «لقد زارت الأونروا الموقع وجمعت الأدلة، ويشير تقويمنا الأولي إلى أن المدفعية الإسرائيلية هي التي ضربت مدرستنا التي تؤوي 3300 نازح، جاؤوا يطلبون الأمن والأمان»، مضيفا: «دعونا لا ننسى أن هؤلاء هم المدنيون الذين صدرت التعليمات لهم من الجيش الإسرائيلي بإخلاء منازلهم».
وأكدت وكالة الغوث أنه جرى إخطار الجيش الإسرائيلي بالموقع الدقيق للمدرسة وإحداثياتها، «كما جرى إخطارهم بأن المدرسة المذكورة تؤوي آلاف النازحين، ولضمان حصانة وحماية المدرسة أعلمنا الجيش بموقع المدرسة 17 مرة متتالية، كانت آخرها الساعة التاسعة إلا عشر دقائق من مساء أول من أمس، وما هي إلا ساعات قليلة قبل القصف المميت على المدرسة».
في السياق، قال مفوض «الأونروا»، بيير كرينبول: «نستنكر بأشد العبارات الممكنة هذا الانتهاك الخطير للقانون الدولي من القوات الإسرائيلية»، موضحا «أن هذه هي المرة السادسة التي تتعرض فيها واحدة من مدارسنا لضربة مباشرة». وأكمل: «موظفونا الذين يقودون الاستجابة الدولية يقتلون، وملاجئنا تفيض بالنازحين، وعشرات الآلاف سيكونون قريبا في شوارع غزة من دون طعام ولا ماء أو مأوى إذا استمر هذا الاعتداء».
وأضاف كرينبول: «بعد هذا الحادث انتقلنا خارج نطاق العمل الإنساني، والآن نحن في حيز نطاق المساءلة والمحاسبة»، داعيا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات مدروسة لوضع حد لهذا «الدمار المستمر».
كذلك، قال المتحدث باسم «الأونروا» في غزة عدنان أبو حسنة إن الوكالة عقدت اجتماعا طارئا، وكشف عن جزء من نتائجه، وخاصة لجهة الحارس «الذي هو في ذمة الوكالة على عقد بطالة وله من أولاده 9 أفراد ترى الأونروا ضرورة التكفل بمصاريفهم وتقديم تعويض إليهم».
يذكر أن «الأونروا» زعمت في منتصف الحرب العثور على سلاح في إحدى مدارسها، سارعت خلاله إلى إصدار بيان يعلن ذلك بأقصى سرعة، ولم تنتظر حتى فتح تحقيق في الحادث واتباع الإجراءات اللازمة، ما ساعد الاحتلال على تبرير قصفه مدارسها أمام الرأي العام، لكن جريمة مدرسة أبو حسين كانت واضحة من دون أي حجة للوكالة أو الاحتلال.