في الطريق نحو معمل خاص للإسمنت، كان قد بدأ إنتاجه للتو في منطقة عين العرب في ريف حلب، قبل نحو أربع سنوات، كان كل شيء يوحي، آنذاك، بأننا أصبحنا خارج الزمان، أو على الأقل عدنا إلى منتصف القرن الماضي: بيوت لا يزال الطين مكوّنها الرئيس، طرق ترابية، مدارس لا تُعرف إلا من أطفال يلعبون في باحات مسوّرة بشريط حديدي رقيق مما يستخدم في بيوت الدجاج، وفقر تتبدّى ملامحه حيثما يوجه الزائر ناظريه في وجوه الناس المتعبة.


وبعد نحو عامين من دخول مدينة حلب على خط الأزمة، يجزم كثيرون بأن التفاوت التنموي الهائل بين المدينة والريف في هذه المحافظة الشمالية، والاهتمام الحكومي بالأولى على حساب الثاني، كانا سبباً رئيسياً في العدوانية الشديدة، التي واجهتها حلب بمنشآتها الاقتصادية والخدمية، تخريباً وتدميراً ونهباً وتهريباً، وإن كان البعض يحاذر التعميم انطلاقاً من نزوح عائلات عدة من ريف حلب الى الأحياء الآمنة في المدينة، ومن استمرار التحاق عدد من أبناء الريف الحلبي بصفوف وحدات الجيش.

تهميش متعدد الأبعاد

يشير تصدر ريف حلب قائمة المناطق السورية في نسبة الأمية (تصل رسمياً الى نحو 29.8%)، إلى عمق التهميش المتعدد الأبعاد الذي عانته هذه المنطقة طوال العقود الماضية. الإحصاءات الرسمية التي رصدت أوضاع ريف حلب، قبل أشهر من بدء الأزمة، لم تحدد فقط مظاهر الحرمان الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لسكان تلك المنطقة، بل كشفت، بوضوح تام، كيف نخر التهميش والإهمال الحكوميان بنية المجتمع، وأسهما لاحقاً في تحول شريحة اجتماعية نحو العنف وحمل السلاح، ومن ثم استقبال المقاتلين الأجانب والتحالف معهم في تشكيلات مسلحة مختلفة الأهداف والغايات.
لا تختلف مظاهر الحرمان في ريف حلب عن تلك القائمة في مناطق سورية أخرى: فقر وبطالة وتدنّ في المؤشرات الصحية والتعليمية والاقتصادية. لكن الدخول في التفاصيل يظهر مستوى الخطر الكامن وخصوصية كل منطقة. على سبيل المثال، قد يبدو مستغرباً ألا يزيد معدل البطالة في ريف حلب عن 7.4%، في وقت تصنف فيه المنطقة من بين المناطق الأكثر فقراً وتخلفاً في سوريا. ولكن عندما تتم مقاربة ذلك الرقم مع مؤشرات أخرى تفصيلية من قبيل استحواذ القطاع غير المنظم على 43% من سوق العمل، وعدم تجاوز متوسط الدخل الصافي للعاملين من عملهم الرئيسي 9877 ليرة سورية، تتضح هشاشة عامل انخفاض معدل البطالة، وافتقاره الى الأثر الإيجابي المعتاد اجتماعياً واقتصادياً.


نخر التهميش
والإهمال بنية المجتمع وأسهما في تحول شريحة اجتماعية نحو العنف


الباحث محمد جمال باروت يرى في دراسة خاصة «أن الإخفاق التنموي الأخطر منذ الاستقلال حتى الآن تمثل في العجز عن ردم الهوة التنموية بين المدن المليونية والمدن المئة ألفية. بين المركز والأطراف خلقت فجوات التنمية المناطقية في سوريا»، ونتيجة لذلك «حصدت المدن المليونية ثمار النمو، بينما حصدت المدن المئة ألفية والصغيرة أشواكه».
وتعطي نتائج مسح لدخل الأسرة ونفقاتها، قبل اندلاع الأزمة بأشهر قليلة، صورة دقيقة عن طبيعة الهواجس المسيطرة على مواطني الريف الحلبي. وتشير البيانات التي حصلت عليها «الأخبار»، ولم تنشر سابقاً، إلى أن 47.5% من مواطني تلك المنطقة كانوا أقل من راضين عن أوضاعهم الاقتصادية، وأن 18.5% لم يكونوا راضين، مقابل 7% فقط أبدوا رضاهم، و26.7% كانوا راضين نوعاً ما.
هذا الأمر يتضح أكثر مع تأكيد 62.8% أن مستوى استهلاك الأسرة للطعام أقل من كاف. كما أن نحو 64.4% من مواطني الريف الحلبي يجزمون بأن إنفاق الأسرة على الاحتياجات الضرورية الأخرى كاللباس والسكن هو أيضاً أقل من كاف، ولذلك كان طبيعياً أن يشكل الحصول على المال جانباً مقلقاً في حياة 53.7% من سكان المنطقة، ثم يأتي هاجس الصحة ثانياً بنسبة 20.1%، فتأمين عمل ثالثاً بنحو 14.7%.
وتتبدى أكثر معاناة سكان تلك المنطقة، الممتدة من الحدود الإدارية لمحافظة الرقة إلى مشارف مدينة إدلب، مع الاقتراب أكثر من يوميات حياتهم المعيشية وتفاصيل الخدمات المتوفرة في قراهم ومناطقهم. إذ توثق المسوح الإحصائية الرسمية غياباً شبه تام للمستشفيات الحكومية والخاصة ومراكز الرعاية الصحية عن التجمعات السكانية التي تفتقر أيضاً في جزء كبير منها إلى الأطباء والصيدليات وخطوط الهاتف والمخابز وتغطية شبكات المياه والصرف الصحي. وعلى ذلك، يصبح الحديث عن مدى توفر المكتبات والمراكز الثقافية والنوادي الرياضية ضرباً من المستحيل أو طرحاً شاذاً، ولا سيما مثلاً مع تأكيد 32.5% من عائلات تلك المنطقة وجود مشكلة تسرب في أسطح منازلها، وإشارة إلى 23.2% من منازلها تعاني أصلاً مشكلة رطوبة في الحيطان أو الأرض ...!

ضغوط أخرى

ولكن للباحث محمود عنبر نائب رئيس الفريق التنفيذي للحكومة الإلكترونية سابقاً وجهة نظر أخرى حيال ما شهدته حلب. فهو وإن كان لا يقلل من أهمية البعد الاجتماعي في ما حدث، إلا أنه لا يعتبره البعد الأهم، بل هناك البعدان القانوني والمؤسساتي. إذ إن حلب كانت قبل الأحداث «خارج سلطة الدولة» في غياب تطبيق القانون وإضعاف مؤسساتها، والجميع يذكر عصابات خطف الأطفال، والحملة الأمنية للقبض على المطلوبين، والذين كان يطلق سراح بعضهم في اليوم التالي نتيجة مافيا الفساد.
في ضوء هذا الواقع، كان مستبعداً أن تحافظ مناطق الريف الحلبي على هدوئها أو حياديتها حيال ما يجري من أحداث دامية في مناطق شتى من البلاد. فإلى جانب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وما شكّلته من بيئة مشجعة لتسرب الأزمة إليها، كان للعوامل التالية دور أساسي في تسريع دخول تلك المناطق على خط الأحداث:
ــــ تأثرها تدريجاً بالتطور السريع للأحداث في مناطق ريف إدلب، والتي ترتبط معها بعلاقات اجتماعية واقتصادية واسعة، ولذلك لم يكن غريباً أن يشكل المسلحون من ريف إدلب جزءاً لا بأس به من تركيبة المجموعات المسلحة التي ظهرت في ريف حلب، ومن ثم في بعض أحياء مدينة حلب نفسها.
ــــ موقعها الجغرافي الحدودي مع تركيا، والتي كانت البوابة الأولى التي استخدمها الخارج للتدخل المباشر في الأزمة السورية، سواء عبر إدخال السلاح والمسلحين، أو تشجيع السكان على حمل السلاح ومواجهة النظام.
ــــ بقاء مدينة حلب بثقلها السكاني والاقتصادي الكبيرين هادئة طوال عام ونصف عام، وهو واقع استغله الإعلام ليرسخ من نزعة «الحقد» ويحرض على الرغبة في «الانتقام» من إهمال النظام لمناطق ريف حلب، في وقت كانت فيه المدينة تشهد طفرة اقتصادية ملحوظة. وهذا تبدى جلياً في حملات الإعدام الميدانية لعدد من الشخصيات المؤيدة للنظام لدى سيطرة المسلحين على بعض أحياء المدينة، وفي عمليات النهب والتخريب للمصانع المنتشرة في الدائرة المحيطة بالمدينة أو داخلها، باعتبارها مظهراً لـ«التمايز التنموي» بين المدينة والريف، رغم أن استهدافها جرى تحت لافتة تعطيل قوة النظام الاقتصادية.

«عسكرة» الفتية

في المحصلة، ومهما تكن الأسباب التي شكلت الشرارة الأولى لتفجير الأوضاع في حلب وريفها، فإن نتائج عامين من المعارك كانت كارثية: إلى جانب تفاقم معاناة آلاف العائلات، التي كانت تعاني أساساً أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة، وتدمير شامل للبنى الاقتصادية والخدمية، فإن تركيبة مجتمع ريف حلب المتمثلة في سيطرة من هم في سن الـ 15 عاماً وما دون، وبنسبة تكاد تصل إلى النصف 45.9%، أسهمت في «عسكرة» جيل كامل من الفتية، تحت ضغط العوز والفقر وانتشار الأمية والتسرب من المدارس، وتكفي الإشارة هنا إلى أن 23% من سكان ريف حلب ممن أعمارهم خمس سنوات وما فوق لم يلتحقوا نهائياً بالتعليم، ويظهر الخلل أكثر مع بيان أن 86.2% من الملتحقين بالتعليم قبل الأحداث كانوا بالتعليم الأساسي، وفقط 7.9% كانوا بالتعليم الثانوي!