اللاذقية | لم يتوقع اللاذقيون الازدحام الذي شهدته إجازة عيد الفطر والأيام التي تلتها في مدينتهم. الأجواء السياحية طغت على أحاديث الحرب، بعد وصول ما يقارب مليون زائر إلى المدينة الساحلية، خلال أسبوع واحد، بحسب تقديرات المعنيين في المحافظة. سوريون من جميع المدن، تركوا الدمار والقذائف والرصاص والتجأوا إلى هدوء المدينة الجميلة وأمانها، حتى أصبح الحجز في فندق ضرباً من المستحيل.


الأسعار تضاعفت خلال أيام العطلة وما بعدها. وبرغم ذلك فإن العديد من زوار المدينة مدّدوا إجازاتهم أسبوعاً آخر، ما جاء مناسباً لطموحات التجار الذين لم يشهدوا انتعاشاً سياحياً مماثلاً، منذ سنوات. يذكر سليمان، وهو تاجر في منطقة الشاطئ الأزرق، أن إيجارات الشاليهات في المنطقة وصلت إلى 10 آلاف ليرة سورية (حوالى 58 دولارا أميركيا) في اليوم الواحد. ويضيف: «برغم غلاء الأسعار وتضاعف قيمة الإيجارات، إلا أن الناس يدفعون». لم يقدّر سليمان، ربما، أن البعض يتقاسمون دفع رسوم السعادة والهدوء والاسترخاء في ما بينهم، إذ وصل عدد المقيمين في الشقة الواحدة إلى 15 شخصاً، تتوزّع الأجرة عليهم بالتساوي. الأمر ذاته حدث في منتجع الشاطئ الأزرق، حيث يتقاسم أكثر من 8 أشخاص الإقامة في غرفة تزيد أجرتها على 12 ألف ليرة سورية. ينام بعض النزلاء على الأرض، أو يتقاسمون الأسرّة، في ظل استحالة ضبط هذه الظاهرة من قبل إدارة الفندق.


إيجارات الشاليهات
في المنطقة وصلت
إلى 10 آلاف ليرة
سورية في اليوم
الازدحام الشديد ولّد ضعفاً في الخدمات، إذ يلفت رامي، الهارب من جحيم قذائف القصاع في دمشق، إلى أن الاهتمام بنظافة الشاطئ ليس كما ينبغي، إضافة إلى الإهمال في خدمة الزبائن. ويضيف: «كما كنا قبل الأزمة ضعفاء في الخدمة السياحية، نتابع الآن ذلك. دفعنا مبالغ خيالية مقابل حد أدنى من الراحة، ولم نجده». ويتابع: «إنما نحن هُنا لنسعد، وقد مدّدنا إقامتنا، لعلّ انتهاء العطلة يخفف الازدحام وترفع الخدمات. علّمتنا الأزمة أن نحارب لنحيا». وبرغم التذمر الشديد من سوء الخدمة في معظم الفنادق، إلا أن الشواطئ تكتظّ بشتى ألوان وأنواع لباس البحر، فيما يمارس الزوار رياضاتهم المائية، ويسهرون على أنغام حفلات الشاطئ الليلية. تقول ليلاس، وهي زائرة من حلب: «لبّينا دعوة أقاربنا لأخذ استراحة من عناء الخوف والحرب. نجحنا في تجاوز الحديث في السياسة، ونقضي سهراتنا في الرقص على الشاطئ والغناء والاحتفال بالحياة». بدورها، تذكر هويدا، الموظفة من اللاذقية، أنّ أبناء المدينة الساحلية هم الأكثر غربة عن هذه الأجواء. وتروي أنّ «بعض الأهالي يلملمون أحزانهم على أبنائهم الشهداء، وبعضهم الآخر يحاول العثور على بقعة هادئة من المدينة لقضاء وقت مريح، فإذ بالازدحام يقضي على أحلامهم». وتتابع: «الغلاء الفاحش هو أكبر الصدمات التي اعترضتنا. أموال كبيرة عادت إلى جيوب التجار خلال هذه الفرصة السياحية، فيما لم يعد لنا مكان في مثل هذه الأماكن، نحن أصحاب الدخل المحدود». كلام المرأة يأتي في ضوء تراجع خدمة الانترنت في بيوت المدينة، في ما يُعزى إلى الضغط الكبير على الشبكة خلال الأيام الفائتة.
بدورها، المنتجعات الجبلية والمطاعم شهدت إقبالاً كبيراً، إذ لا يمكن الدخول إليها دون حجز مسبق. اللاذقيون كانوا أبرز رواد الفنادق الجبلية. الهرب من البحر والحَرّ والزحام جعل الجبل يضيق بأهله أيضاً. على طريق صلنفة الجبلية، التي شهد بعض قراها مجزرة من قبل المسلحين منذ عام كامل، تجلس أم أحمد تخبز على التنور الطيني. تقول المرأة: «الحركة جيدة خلال الأيام الماضية، والزبائن يدفعون بسخاء». المرأة التي استشهد ولدها الضابط في أحداث حمص منذ عامين، فقدت ابنتها وحفيدتها في اجتياح قرى صلنفة. نسيت العائلة نكباتها قليلاً، حين ساهم الجميع بمساعدة الجدّة في بيع خبزها وفطائرها للزوار.
بلدة كسب الجبلية، أيضاً، كانت محط أنظار ضيوف المدينة، إذ أحب البعض زيارة البلدة باعتبارها شاهداً على الحرب البشعة التي خاضتها أكثر مناطق البلاد جمالاً.
أبناء المدينة وضيوفها الفقراء عثروا على ما يناسبهم. يشرح حسام، نازح حلبي، أنه استطاع استئجار طاولة أمام شاطئ الكورنيش الجنوبي مع عائلته بمبلغ زهيد، وأتى بطعام الغداء معه من المنزل. مشهد الأطفال يلعبون حوله، يشي بسكينة مفقودة منذ مدة طويلة، بين السوريين. الأسَر المتواضعة المجتمعة أمام أمواج البحر، لا تبدو مهتمّة للسيارات الفارهة التي تقل عائلات الأثرياء المتوجّهين إلى سهراتهم المُكلفة.