خلال عقد التسعينيّات، كانت الدول السلطويّة هي الرائدة في تطبيق الإصلاحات النيوليبراليّة. من أميركا الجنوبية الى الشرق الأوسط، ساد اقتناعٌ مفاده أنّ هذه السياسات هي السبيل الوحيد لتجديد الأنظمة وضمان استمرارها، فيترك النظام خلفه صورته «العسكريّة» القديمة، ويستبدل تحالفاته الأيديولوجيّة برجال أعمالٍ «مدنيّين»، ويغادر شعاراته الشعبويّة نحو خطابٍ «تحديثيّ» ومنفتح على العالم.


لم تكن السياسات الليبراليّة دائماً وليدة إملاءات المؤسسات الدوليّة ونفوذها، بل هي مثّلت في مرحلةٍ ما مفهوماً أيديولوجيّاً عن الفعاليّة والحداثة و«الضرورة التاريخيّة». النظام العراقي السابق، مثلاً، كان سباقاً في تحرير اقتصاده منذ أواسط الثمانينيّات، طوعاً، ومن دون أن تفرض هذه التغييرات ضغوطاً أو أزمة _ قبل أن يعود عنها بعد فترةٍ وجيزة.
في هذه الأثناء، قام العديد من المثقّفين العرب _ وبعضهم يكتب في هذه الصحيفة _ بكيل النقد لهذه النزعات، وهم لا يزالون يطالبون بالعودة الى مفهومٍ تشاركيّ عن المجتمع الوطني. هذه المرافعات قد لا تكون ضروريّة بعد اليوم، فالنخب الحاكمة قد تعلّمت، من دون شكّ، أنّ الأنظمة التي اندمجت بعمقٍ في المسار الليبرالي، كتونس ومصر، كانت أسرع من سقط، ولم تجد الى جانبها فئات شعبيّة تتماهى مع الدولة وتعتبر نفسها معنيّةً بالدفاع عنها _ على عكس دولٍ أخرى، كإيران والجزائر (وهذا أمرٌ قد لا يفهمه من لا يتابع السياسات الاقتصاديّة في هذه البلدان وموقع الكتل الاجتماعيّة منها).
الاشتراكيّة لم تعد خياراً شعبويّاً، بل هي أيضاً «وسيلة بقاء» وضمانة للنظام (بغض النظر عن استبداديّته). انظروا الى سوريا: حين وقعت الواقعة ودقّت طبول الحرب، لم تنفع النظام أموال رامي مخلوف، ولا الإصلاحات النقديّة، ولا التغلغل الاستثماري الخليجي _ بل لعلّ هذه كانت أبرز نقاط ضعفه. ما سند النظام في الأزمة كانت أمورٌ مثل: الجيش العقائدي، بيروقراطيّة الدّولة، مؤسسات القطاع العام، والتحالف العسكري مع إيران و«حزب الله». هل يعني هذا أنّنا دخلنا في مرحلةٍ تاريخيّة جديدة تُعيد للاشتراكيّة وللسياسات الاجتماعيّة راهنيّتها؟ سنرى إعادة الإعمار قادمة، عاجلاً أو آجلاً، ولكنّ الأيّام قد تثبت لنا أنّ التضحية بالجنود في الميدان أيسر من إقناع الرأسمالي بالتنازل عن قسطٍ من أرباحه.