غزة | هي رسائل تبعثها القدرة الإلهية إلى البشر، لكن أحداً في غزة لم يسع إليها مباشرة، بل جاءت الحرب لتكشف جزءاً منها. هذا الأمر له خصوصية لدى أهل فلسطين، ولا سيما في غزة التي حاربتها إسرائيل ثلاث مرات خلال ست سنوات. في تلك الحروب تعرف أهلها إلى بعض «كرامات الشهداء» في حفظ أجسادهم من التَّحلُّل. أما خلال هذه الحرب، فأدت أعداد الشهداء الكبيرة وصعوبة الوصول إلى بعض المقابر المزدحمة أصلاً، إلى إعادة فتح مقابر شهداء سابقين ليصبح جيرانهم في القبر شهداء آخرون.


من بين هذه القبور واحد للشهيد عامر اسليم الذي استشهد عام 2006، لكن عائلته قررت دفن شقيقه عادل وابنته ديمة اللذين استشهدا بعد قصف منزلهما في العشرين من تموز الماضي، وذلك في قبر عامر نفسه الذي يقع داخل مقبرة الشيخ رضوان (غرب غزة)، لأنها امتلأت ولم يبق فيها متسع. ولم تقدم العائلة على هذه الخطوة إلا بعد أن اتصلت بمفتي قطاع غزة للاستفسار عن كيفية دفن ابنهم الشهيد الثاني وابنته، فكان رده أنه بسبب الظروف الجارية آنذاك يجوز أن يدفن الرجل بجوار شقيقه.


اضطر من
فقد شهيداً إلى
دفنه في قبر
شهيد سابق


يقول أحد الحاضرين لما جرى، وهو الباحث سمير قديح، إنه عندما أعيد حفر قبر الشهيد عامر «فوجئنا بأن جثة الشهيد كما هي وأن الحذاء لا يزال في قدميه ما أثار استغرابنا». تحسس الأقرباء الجثة فوجدوها لم تتحلل. ولم يصدق زوج شقيقة الشهيد عامر، وائل الشياح، أنه توجد كرامات للشهداء رغم إيمانه بوجودها، لكنه قال: «كنت أظن أن هناك مبالغات لكن عندما فتحنا القبر وجدنا عامر كما تركناه قبل 10 أعوام، بل كأنه استشهد قبل ساعة واحدة».
ويضيف الشياح: «حتى ملابسه لم تتلف وكذلك الكفن الذي لُفَّ به لم يتغير لونه»، ذاكراً أن دهشتهم زادت عندما هموا بتحريكه لفسح المجال لدفن شقيقه إلى جانبه، «فإذا بجسده كما هو».
إلى مخيم النصيرات وسط القطاع، شاهد الشاب الصغير أحمد زهد والده الشهيد مجدداً، لكن داخل القبر الذي دفن فيه قبل عشر سنوات. ففي تاريخ 7/3/2004 استشهد المواطن حسن زهد خلال مقاومته الاحتلال الإسرائيلي الذي كان يجتاح منطقة البريج. وكانت أكبر أبنائه آنذاك، فتاةٌ في الصف الخامس، وابنه الوحيد أحمد في الصف الثالث الابتدائي الذي لم تحضره الذاكرة في حفظ شكل والده. وقبل أيام أُعلن استشهاد الشاب طارق زهد، وهو ابن شقيق الشهيد حسن بصاروخ، وكانت وصية الشهيد الشاب أن يدفن بجانب عمه الذي سماه «طارق» تيمناً باسم شهيد آخر هو طارق. كانت المفاجأة أنهم حينما بدأ الحاضرون تنفيذ وصية الشهيد وفتحوا «بلاطة القبر» شاهدوا الشهيد حسن مادّاً يده وبنفس ملابسه التي استشهد فيها والكفن الخاص بمستشفى الأقصى وساعة يده، وهو كما كان يوم استشهاده. للحظة ترك المشيعون الشهيد طارق وبدأوا التهليل والتكبير، ثم حمل أحدهم ابن الشهيد أحمد وأنزله إلى والده داخل القبر. «لم أتمالك نفسي لما رأيت والدي أمامي في القبر ولم يتغير في وجهه شيء كأنه دفن اليوم»، يضيف الشاب أحمد، «فارتميت في حضنه وقبلت وجهه، وهكذا كان اللقاء الأول مع والدي»، يقول ابنه أحمد لـ«الأخبار».
ونظراً إلى أن القبر كان ضيقاً لوجود جثة الشهيد كما هي، قسم المشيعون القبر إلى طبقتين ووضعوا الشهيد طارق في الثانية وأغلقوا القبر. ورفض في ما بعد أحد الشيوخ في المنطقة الوسطى نشر صور الشهيد داخل القبر، وأبلغ أسرته بضرورة حذف كل الصور التي تُتناقل عبر الهواتف «لأسباب شرعية».
من جهته، قال المدير العام للطب الشرعي في وزارة العدل، زياد الأشهب، إن أكثر من عائلة نقلت هذه الحادثة خلال الحربين الماضيتين، مضيفاً لـ«الأخبار»: «هناك ما يسمى التحنيط الطبيعي للجثة، حيث تبقى الجثة بهذه الحالة محافظة على شكلها الخارجي، لكن غالباً تكون الأعضاء الداخلية متحللة». وذكر الأشهب أن عوامل المنطقة التي تدفن فيها الجثة تؤثر في هذا الشأن «كطبيعة المناطق الجافة والحارة والتربة وعمق القبر».
أما الأستاذ المساعد في كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية، ماهر السوسي، فرأى أنها «علامة من علامات الصلاح وقبول الشهيد»، وأضاف لـ«الأخبار»: «من كرامة الله على الشهيد أن لا يبلى جسده». وأشار السوسي إلى أن هذا أمر ممكن «بل مذكور في الشريعة».
رغم ذلك، لم تسلم المقابر في هذه الحرب من الأذى الإسرائيلي، وقد كان العدو يتعمد كما المرات السابقة قصف بعض المقابر وتجريفها بدعوى خروج صواريخ منها.