برغم التحيّز الغربي الواضح والفاضح لإسرائيل، الذي لم يتزحزح طوال أيام الحرب على قطاع غزة، إلا أن ذلك لم يمنع الإعلام الغربي من التساؤل عن جدوى هذه الحرب بعد مرور 29 يوماً على البدء بها. نتائج هذا العدوان على الصعيد الإنساني والاستراتيجي والسياسي، كانت موضع نقاش بالنسبة إلى العديد من المراقبين والمحللين الأميركيين، والغربيين عموماً.


وإن رأى بعضهم أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لم يأتِ إلا بنتائج سيئة على الدول الداعمة لإسرائيل، إلا أن البعض الآخر آثر الحديث عن أن «حماس» تمكنت من فرض نفسها لاعباً أساسياً على ساحة الصراع، بأساليب جديدة ربما أسهمت في إطالة أمد هذا العدوان.
من بين هؤلاء، مراسل صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية في الشرق الأوسط باتريك كوكبرن، الذي تساءل في مقال نشره، قبل أيام، عمّا حقّقته إسرائيل خلال 26 يوماً دامياً من العدوان على غزة. وقال إن العدوان الإسرائيلي صبّ في مصلحة حركة «حماس»، وجعلها أكثر قوة، وجعل إسرائيل تظهر على أنها «مخادعة وبلا قلب».
كوكبرن رأى أن «نتيجة العدوان هي نفسها التي وصلت إليها الحروب السابقة، إن كان على لبنان أو على غزة»، موضحاً أن إسرائيل تقوم «بقصف مكثف يرمي إلى إلحاق أكبر خسائر ممكنة بالطرف الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى سقوط غالبية الضحايا من المدنيين».


رأى كارتر أن
انتهاءالحرب يبدأ
بالاعتراف بـ«حماس»
لاعباً سياسياً شرعياً


وأضاف أنه «مع استمرار الحرب، يجد القادة الإسرائيليون صعوبة في تحقيق تفوّق سياسي على المستوى نفسه كالعسكري».
«والأسوأ من ذلك»، قال الكاتب، «هو أن الإسرائيليين أنفسهم يرون أن الفلسطينيين، ومن بينهم حماس، الآن في موقف أقوى مما كانوا عليه منذ شهر».
ورأى الكاتب البريطاني أن أفعال إسرائيل الأخيرة، «أدت إلى عودة القضية الفلسطينية بقوة إلى الأجندة الدولية، بعدما كانت قد اختفت في أعقاب ثورات الربيع العربي التي بدأت في عام 2011».
وهو إن وصف المتحدثين باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنهم «مراوغون وعديمو القلب»، حين يدّعون أن «ما من دليل على قصف إسرائيل لمستشفى تابع للأمم المتحدة أو ملعب للأطفال، ويحاولون إلصاق التهمة بصواريخ حماس»، إلا أنه لفت الانتباه إلى أن هذه الادعاءات «قد يصدّقها العالم لو كانت الحرب قصيرة، ولكن مع مقتل ما يزيد على 264 طفلاً فلسطينياً حتى يوم الجمعة الماضي، صبّت هذه التصريحات في سياق إقناع العالم بأن الإسرائيليين لا يأبهون لارتفاع عدد الشهداء الفلسطينيين».
أما عن الأهداف الإسرائيلية من الحروب التي تخوضها، فأوضح كوكبرن أن أحدها هو «إظهار قوة إسرائيل العسكرية»، ولكنه في هذا الإطار أكد أن «الواقع أظهر عكس ذلك، وهو عدم قدرة هذه القوة على إنهاء الصراع الطويل مع الفلسطينيين».
الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر رأى، في مقال نشره في مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بالتعاون مع رئيسة إيرلندا السابقة ماري روبنسون، أن «انتهاء الحرب في غزة يجب أن يبدأ بالاعتراف بحركة حماس لاعباً سياسياً شرعياً».
الرئيسان السابقان أكدا أن «المأساة التي تشهدها غزة حالياً بدأت مع العرقلة المتعمّدة لاتفاق المصالحة بين حماس وفتح، الذي أبرم في نيسان الماضي، والذي شهد تنازلاً كبيراً من قبل حماس، التي سمحت بأن تصبح غزة تحت إدارة حكومة تكنوقراط لا تضم أياً من أعضائها».
وفي السياق، قال كارتر وروبنسون إن «الهجوم الإسرائيلي منع تلك الحكومة من تأدية عملها». وأوضحا أن «المأساة تكمن في أن إسرائيل رفضت تلك الفرصة للسلام ونجحت في منع الحكومة الجديدة من العمل في القطاع، برغم قبول تلك الحكومة كافة شروط الرباعية الدولية التي تضم الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا».
وتطرّق الكاتبان إلى «عاملين رئيسيين لإنجاح الوحدة الفلسطينية، أولهما رفع الحصار المفروض على قطاع غزة منذ 7 سنوات، ولو جزئياً، ودفع رواتب موظفي القطاع، الذين يعملون في التدريس والشرطة والرعاية الاجتماعية والصحة».
من جهة أخرى، رأى الرئيسان أنه «ما من مبرر قانوني أو إنساني للطريقة التي تعامل بها الجيش الإسرائيلي مع قطاع غزة، حيث قصف آلاف المنازل والمدارس والمستشفيات، ما سبب نزوح أكثر من 250 ألف فلسطيني عن منازلهم».
وقالا إن «إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، ويجب فتح تحقيق دولي في الجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين في القطاع».
صحف غربية أخرى، رأت أن الاستراتيجية الجديدة التي تستخدمها «حماس» كان لها دورها في إطالة أمد العدوان.
ومن بين هذه الصحف، «ذا غارديان» البريطانية، التي أشارت إلى أن «إسرائيل، داخل الأنفاق التي بنتها حماس، كانت تصارع التكتيكات الجديدة في غزة، حيث اضطر الجيش الإسرائيلي إلى إرسال جنوده إلى تحت الأرض لتدمير عشرات الأنفاق».
وأوضحت الصحيفة أنه «في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية تسابق لتدمير ما أمكنها من الأنفاق، كان ناشطو حماس يستخدمون سلاحهم الاستراتيجي الموجود تحت الأرض، لشن هجمات على الجيش الإسرائيلي، داخل غزة وعلى الحدود مع إسرائيل».
ولفتت الصحيفة البريطانية الانتباه إلى أن «الشبكة المعقدة والممتدة الموجودة تحت الأرض، مثلت مفاجأة للقادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين».
في سياق آخر، تساءلت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، في مقال للكاتب بول وولدمان، عمّا إذا كان من الممكن أن تؤدي الحرب على غزة إلى تغيير طبيعة النقاش في العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وإن رأى وولدمان أن «ذلك لن يحصل بين ليلة وضحاها، ومن الممكن ألا يحصل أبداً»، ولكنه أشار إلى أنّ «من الممكن أن تصبح مسألة الدعم الأميركي لإسرائيل شيئاً يمكن النقاش فيه، بعدما كانت مسألة إجماع تام في الكونغرس وبين النخبة السياسية الأميركية».
وفي هذا الإطار، قال إنه «في الوقت الذي يطول فيه القتال ويزداد فيه عدد القتلى، يصبح من الصعب الحفاظ على الرأي السائد بين النخب السياسية الأميركية، الذي يعتبر الحكومة الإسرائيلة كاملة وغير قابلة للوم».