غزة | عاد عرّاب المفاوضات الأميركي ليدسّ أنفه في مباحثات القاهرة، من دون إغفال دوره الأساسي في بدئها، لكن يريد تحويل الحديث عن التهدئة الدائمة في قطاع غزة إلى ناحية شمولية الموقف السياسي والعزف على وتر استئناف مفاوضات التسوية المتوقفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأيضاً بحث خيار حل الدولتين.


هذا ما يمكن تلمسه من حديث وزير الخارجية الأميركية، جون كيري. فقد استغل الرجل الأبيض الحرب السوداء على غزة، لإمرار مخططات واشنطن المتعلقة بإنهاء الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وفق رؤيتها، مع أن ذلك يجري في الوقت الذي لا تزال فيه تل أبيب تراوغ فيه بشأن الاشتراطات الفلسطينية.
وقال كيري في حديث صحافي إن وقف إطلاق النار هو الآن حيز التنفيذ «بطريقة نأمل أن تسمح للأطراف بالجلوس إلى الطاولة، ليس من أجل التباحث في وقف دائم، بل أيضاً للتباحث في مسائل أساسية على مدى أبعد حول الطريقة التي سنصنع بها السلام».
هذه المحاولة وصفتها بعض فصائل المقاومة الفلسطينية بأنها ضربة في الهواء لإعادة الأمور إلى النقطة الصفر من جديد ولخفض سقف إنجازات المقاومة الفلسطينية والالتفاف على شروطها المتعلقة بضرورة إنهاء الحصار على غزة.
وإن كنا لا نستنطق أحداً، لكن من البديهي ألا تتعاطى حركة «حماس»، بصفتها صاحبة الدور الأكبر في الحرب، مع أنصاف الحلول، خصوصاً أنها رفضت التعاطي مع أي مبادرات لوقف النار طوال شهر كامل من القتال في غزة، ما لم تستجب تلك المبادرات لشروط المقاومة.


ليس خافياً الجهد الأميركي منذ بداية الحرب في دعم إسرائيل ثم العمل على التهدئة


نقطة أخرى لا يمكن تجاوزها في بحث مدى استجابة «حماس» لمشروع السلام الأميركي في المنطقة، لأنه يأتي على حساب حق عودة اللاجئين، وهي تعبّر عن ذلك في مشروعها القائم على «استعادة الأراضي المحتلة بالجهاد».
ورغم أن الوفد الفلسطيني في مباحثات القاهرة وهو يضم فصائل المقاومة بجانب فصائل منظمة التحرير، تخندق خلف قائمة المطالب، لكن القيادي في «فتح» ورئيس الوفد إلى مصر عزام الأحمد خرج عن النص بتوجيه دعوة إلى المجتمع الدولي للتحرك من أجل إحياء عملية سلام واضحة المعالم «وإجبار إسرائيل على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية لإنهاء الاحتلال»، علما بأنه لفت إلى أن أهم إنجاز للعدوان الإسرائيلي هو توحيد الصف الفلسطيني للمرة الأولى في التاريخ السياسي الفلسطيني.
إزاء ذلك، علقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على لسان القيادي فيها كايد الغول، بأن ما يجري الآن «محاولة لإضاعة الوقت وإعطاء فرصة أخرى للاحتلال». وألقى الغول في حديثه لـ«الأخبار» رسالتين في خطاب واحد، الأولى تتعلق بدعوتي الأحمد وكيري، على أنهما محاولة لإعطاء إسرائيل المزيد من الوقت «ما سيضع الجميع لاحقاً أمام حقائق جديدة تحول دون إقامة الدولة وعودة اللاجئين».

في الجانب الثاني، رأى القيادي في الجبهة أنّ من الخطأ الاستجابة للدعوة الأميركية «لأن واشنطن راعٍ غير نزيه لعملية المفاوضات منذ بدايتها عام 1993»، مستدلاً على أنها «لم تلزم إسرائيل الاستجابة للاتفاقات التي وقعتها، ودائماً كانت تغطي سياساتها». كما يشار إلى موقفها خلال هذه الحرب ودعمها الاحتلال بالسلاح والغطاء الدولي.
وشدد الغول على أن المساعي الأميركية في المنطقة في هذا الوقت تنصب نحو إنهاء الصراع بصورة تامة كمن يريد الارتياح من هذه الحمل، «وهي تهيئ المسرح الدولي من أجل إدخال القضية الفلسطينية في مشروع كبير شبيه بأوسلو»، لكنه رأى أن المقاومة «لن تتعامل مع حلول قائمة على نزع سلاحها مقابل إعادة إعمار غزة».
بدورها، قالت حركة «الجهاد الإسلامي» إن مسألة المباحثات الجارية في القاهرة الآن تتعلق بوقف إطلاق النار في غزة فقط، «وهي بعيدة كل البعد عن أي سقف سياسي». وتنصل المتحدث باسم الحركة، يوسف الحساينة، من أي محاولة ترمي إلى «إمرار مشاريع تسوية سياسية مع دولة الكيان»، وقال: «موقفنا في حركة الجهاد من أي محاولة لإمرار مشاريع التسوية أننا لسنا طرفاً فيها، ودورنا الآن محصور في تحقيق مطالب شعبنا ووقف العدوان ورفع الحصار والسماح لأهل غزة بممارسة حياتهم».
وعبر الحساينة عن ريبة «الجهاد الإسلامي» من الجهد الأميركي الممارس خصوصاً بعد ما وصفه بـ«فضيحة إمداد الاحتلال بالمساعدات الأمنية والعسكرية في الحرب، وتوفيره الغطاء السياسي لإعطاء مزيد من الوقت للعدو».
واستطرد: «المقاومة التي خاضت المعركة بكل شجاعة وبطولة تتنبه إلى الدور غير النزيه الذي يؤديه الوسطاء من الغرب، ونحن حركة مقاتلة منهجها مقاومة ولا يمكن أن تنجر وراء التسوية، بل نسعى إلى أن يكون أحد أهم نتائج المعركة القائمة توحد الشعب خلف خيار المقاومة».
وكان كيري قد رعى مفاوضات السلام المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين في 2013، لكن لم تكتب لمهمته النجاح في ضوء مواصلة إسرائيل الاستيطان ورفض الإفراج عن الدفعة الرابعة من قدامى الأسرى التي أعيد ذكرها في مباحثات وقف الحرب، وهو الآن يحاول استعادة دوره بالبناء على مباحثات القاهرة لأنه يرى فيها فرصة لتعزيز احتمالية استئناف المفاوضات المتعثرة.
من جهته، أثنى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الكلام الذي أدلى به وزير الخارجية الأميركي، وخاصة الجزء الذي تحدث فيه عن الحاجة إلى تجريد قطاع غزة من السلاح. وأضاف نتنياهو: «تحدثت بعد الظهر معه (كيري) مرة أخرى، وكان حديثاً جيداً، وشكرته على أن تحديده هذا الهدف هو أمر مهم بالنسبة إلى إسرائيل».