الحسكة | تكلّم أم جورج ابنها المهاجر، قائلة بلهجتها المردلية اللطيفة: «أبوي هلكونا، ما تركوا علينا شيء نشتاق لولادنا مو نطيق نحاكيهم، وإذا حاكيناهم مو نفهم منهم شيء وندفع هذيك الحسبة، الله لا يوفقهن ويخلصنا منهن على أهون سبب». حال السيدة الخمسينية مشابه لحال أهالي الحسكة الذين سلبتهم ممارسات الجماعات المسلحة في ريف المدينة الجنوبي الاتصال بذويهم. قطعت الجماعات المسلحة «الكابل الضوئي» المشغل للاتصالات في بلدة مركدة منذ نيسان الفائت، ولا إمكانية لإصلاحه في ظل سيطرة المسلحين على المنطقة، بينما ما زالت خدمة الإنترنت مقطوعة عن المحافظة منذ آذار 2013 حتى الآن.


وانتشرت في المدينة وأريافها مقاهي «الإنترنت الفضائي»، وهي اليوم الوسيلة الوحيدة لتواصل أهالي الحسكة بين بعضهم بعضا أو مع الخارج. تقول طالبة الحقوق رندة مريكي لـ«الأخبار»: «بقيت لي مادّة واحدة واتخرج وألحق بأخواتي إلى السويد، الحياة باتت مريرة جداً هنا، فقرابة عام ونصف عام والمحافظة بلا خدمة انترنت واتصالات، والمحافظة باتت معزولة عن العالم الخارجي ولا أحد مهتما».
يقطع محمد الجاسم أكثر من 45 كلم أسبوعياً من قرية عجاجة في الريف الجنوبي إلى مدينة الحسكة، ليحصل على خمس دقائق اتصال مع ابنه، الذي يؤدي الخدمة العسكرية في حلب. تصل كلفة الاتصال إلى 375 ليرة سورية، كانت تكفيه للحديث نحو 50 دقيقة على الشبكة السورية.
يروي الجاسم، الذي تدمع عيناه عند الكلام عن ابنه، الذي يقاتل على جبهة حلب الساخنة لـ«الأخبار»: «كنا نعيش بأمان وخير، من أين جاءنا هذا البلاء، هم يريدون سلبنا كل شيء، الأمان والحياة وأبسط الخدمات كالاتصالات والكهرباء والمياه، وكل ما يمكن أن يوفر لنا عيشة مثل البني آدم، لم يكفهم فقرنا، بل جاؤوا ليكملوا علينا بمصاريف كثيرة للاتصالات والكهرباء وغلاء جنوني في الأسعار حتى باتت عيشتنا لا تطاق».

«الدولة» يمنع الإصلاح

تحاول ورش مديرية الاتصالات في الحسكة عبثاً خلق جسور تواصل مع مسلحي «داعش» لإصلاح الكابل الضوئي. وبرغم أن عمال مديرية الاتصالات يحصلون على الموافقة، إلا أنه في اللحظات الأخيرة قد تتغير المعطيات، ويعتقل تنظيم «داعش» عمال الورشة ويعتدي عليهم أحياناً، كما حصل في أيار الماضي عندما أصيب عاملان بطلق ناري وهما يحاولان تشغيل محطة مركدة جنوب المحافظة.
مدير اتصالات الحسكة، جميل بلال، أكد لـ«الاخبار» أنّ «منظومة الاتصالات في المحافظة تعرّضت لأضرار كبيرة منذ مطلع 2013، بعد تخريب الكابل الضوئي في محور الحسكة ــ حلب، ونهب محتويات محطة عين عيسى ما تسبب بقطع خدمة الانترنت والاتصالات عن المحافظة منذ آذار 2013». ويضيف: «نجحت ورش الاتصالات في إعادة تأهيل الكابل الضوئي في محور الحسكة، وإعادة الاتصالات للمحافظة بعد شهرين، لكن عادت هذه المجموعات بالاعتداء على هذا المحور وتخريب الكابل أكثر من مرة، آخرها قطع الاتصالات منذ نيسان الفائت حتى اليوم».


يصرّ المسلحون
على عدم السماح
لورش الصيانة بإصلاح الكابل الضوئي
قطع الاتصالات، أوقف الخدمة عن أكثر من 160 ألف مشترك محلي، وأكثر من نصف مليون مشترك في الهاتف الخلوي، وأصبحت الحسكة خارج التغطية السورية.
وزير الاتصالات عماد صابوني، الذي زار الحسكة مطلع نيسان الماضي، قال «إن الحكومة ستبذل كل ما بوسعها لإعادة الاتصالات للحسكة»، متحدثاً عن «عدة سيناريوهات لإعادة الخدمة منها إعادة الخدمة عبر الربط مع دمشق بمحطات فضائية خلال مدة قصيرة».
وكان مجلس الوزراء في جلسته في العاشر من حزيران الفائت قد وافق على «اعتماد قرار اللجنة الاقتصادية لعقد اتصالات الصوت المقدم من شركة «بي سي سي دبليو» الصينية من أجل تحسين أداء الخدمات الهاتفية في محافظة الحسكة بعد الاعتداءات الإرهابية المتكررة على قطاع الاتصالات»، لكن دون تحديد خط زمني واضح للتنفيذ.
مصدر في وزارة الاتصالات أكد لـ«الأخبار» أنّ «العقد سيوقّع مع الشركة الصينية خلال الثلث الاوّل من الشهر الحالي، على أن تستغرق مدة توريد المعدات حوالى شهرين وعشرة أيام تركيب».

بدائل معقولة

لم يستسلم اهالي الحسكة لهذا الواقع الصعب. فبعد شهر من انقطاع الاتصالات، بدأت مقاهي الانترنت الفضائي بالانتشار في المدينة ليصبح عددها أكثر من مئة، تؤمن خدمة التواصل عبر الانترنت والاتصال الفضائي عبر خدمة الانترنت الفضائي، فيما يعتمد أهل مدينة القامشلي والمدن والبلدات الحدودية على الاتصالات التركية.
وبات أهل الحسكة يجزمون بأن سبب معاناتهم هو بسبب إصرار الجماعات المسلحة بعدم السماح لورش الصيانة بإصلاح الكابل الضوئي، لكنهم يجزمون أيضاً بأن وعود وزراء في الحكومة السورية الذين زاروا الحسكة مراراً، غير جدية، وبأن قراراتهم لم تنفذ.