سيناء | أثار مشروع حفر قناة السويس الثانية غضب الكثير من مواطني شمال سيناء واستياءهم، بعد إعلان كافة تفاصيله. ويعود ذلك إلى أنه أقيم بمعزل عن مشروع تنمية شمال سيناء، الذي تحدثت عنه الحكومة الحالية أخيراً، إضافة إلى مسألة انعكاس المشروع الجديد بآثار سلبية على محافظة شمال سيناء بمجملها.


أحمد سليمان سليم، الشاب «السيناوي» الذي تخرج في «كلية العلوم الزراعية» في مدينة العريش، يقول لـ«الأخبار»: «تخرجت قبل خمس سنوات مهندساً زراعياً لأنضم إلى صفوف البطالة كغيري، وانتظرنا مشروع تنمية سيناء لنجد فرصة عمل، لكن فوجئنا بأن التنمية ذهبت إلى محور قناة السويس».
ويضيف أن «المشروع يبعد عن قلب شمال سيناء بنحو 200 كم، واقتصرت العمالة به على سائقي الحفارات واللوادر وسيارات النقل. أما بالنسبة إلى المهندسين والمقاولين، فجاؤوا بهم من محافظات دلتا مصر، لتزداد سيناء وأهلها عزلة وتهميشاً»، موضحاً أن المشروع «سيُسهم في فصل سيناء عن مصر بعد إقامة قناة جديدة ستمثل عبئاً على السيناويين إلى جانب أعبائهم».


أسوأ آثار
المشروع التي يجب تقويمها هي الآثار الديموغرافية

وبانفعال شديد، يقول محمد الكاشف، وهو سائق سيارة أجرة تعمل ما بين العريش والقاهرة، إن «سيناء لن يكون تعميرها كما في السابق بقرار سياسي»، مكرراً بدوره أن مشروع قناة السويس الجديدة سيزيد من عزلة سيناء ومن معاناة سكانها المحليين، وخصوصاً عند التنقل من سيناء وإلىها عبر قناة السويس بعد إنشاء القناة الثانية.
ويتابع بالقول: «حالياً، بعد إغلاق جسر السلام فوق قناة السويس، وعند السفر من سيناء إلى القاهرة، نتوقف على المعديات العاملة بين ضفتي القناة لساعات، وأحياناً نبيت أمامها انتظاراً للدور في العبور إلى الضفتين الغربية أو الشرقية، وتخيل مع إنشاء قناة ثانية ستكون عملية عبور السيارات معاناة جديدة، وأنا شخصياً في هذه الحالة سأبيع سيارتي لأنني أعمل نقلة واحدة في يومين بما لا يكفي بنزين سيارتي».
ويرى المهندس عبد الحميد سليم، أن «مسألة إتاحة فرص عمل لأبناء شمال سيناء في مشروع حفر قناة السويس هي مؤقتة، لأنها تتعلق فقط بالمقاولين ممن يمتلكون حفارات ولوادر وسيارات نقل، لكن على مستوى التنمية وإتاحة فرص العمل الدائمة، لم نرَ ذلك في حيثيات المشروع، الأمر الذي يمثل تجاهلاً خطيراً لأبناء شمال سيناء». ويضيف أن «المشروع تستفيد منه محافظات القناة مباشرةً. وبالنسبة إلى شمال سيناء تحديداً التي تشهد حملات عسكرية بدعوى محاربة الإرهاب، فأُقصيت من المشروع، وهو ما ينذر بتنامي مشاعر الغضب، وخصوصاً في أوساط الشباب ممن كانوا ينتظرون تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة على أرض سيناء».
أما الخبير البيئي والمدير العام السابق لإدارة شؤون البيئة في محافظة شمال سيناء عبد الله الحجاوي، فيقول جازماً إنه «كان لا بد من دراسة عملاقه تتوازى مع مشروع عملاق مثل تنمية محور قناة السويس. دراسة عسكرية واقتصادية وبيئية، وهي الأهم من ناحية إقامته في منطقة شرق قناة السويس».
وفي نقطة مهمة، يضيف الحجاوي: «أرى أن أسوأ الآثار التي يجب تقويمها هي الآثار الديموغرافية لهذا المشروع وما يترتب عليه من خلق علاقات عمل جديدة وتفريغ كمي سريع لسكان شمال سيناء إلى الغرب... وهو من أسوأ الآثار المترتبة على مشروع قناة السويس الثانية».
ويشير الخبير البيئي كذلك إلى أنه «كان لا بد من دراسة التأثيرات البيئية نتيجة شق القناة الجديدة على درجة ملوحة الآبار الجوفية المجاورة... ودراسة الآثار المترتبة على ارتفاع مستوى المياه الجوفية شرق القناة ومسافة التأثيرات السطحية على المرافق المحيطة».
ويعيب الحجاوي البدء بالمشروع «قبل تنمية وتعمير شرق سيناء أولاً أو بالتزامن معه»، فبرأيه إن «الضرورة تحتم الآن عدم تفريغ سيناء والعمل فوراً على مشروعات تنموية موازية تبدأ من هنا من شرق شمال سيناء المنطقة الأولى، (العمل) على التنمية والتعمير نظراً إلى ما تمثله من أهمية تتعلق بالأمن القومي المصري».
عموماً، أُهدرت مئات الملايين على مشروعات تنموية في إطار «المشروع القومي لتنمية سيناء»، الذي أقرّه مجلس الوزراء في عام 1994 بتكلفة استثمارية بلغت وقتها 75 مليار جنيه بهدف توفير 800 ألف فرصة عمل واستصلاح وزراعة 400 ألف فدان حتى عام 2017. وأُعيد رسم استراتيجية التنمية الشاملة للمشروع في شهر أيلول عام 2000 ليضم محافظات القناة، وبلغت التكلفة الاستثمارية الجديدة 251.7 مليار جنيه حتى عام 2017، منها 69 مليار جنيه لشمال سيناء و35.6 مليار جنيه لجنوب سيناء، ويمثل الإنفاق الخاص نسبة 56 في المئة من إجمالي الاستثمارات.
ويوضح المهندس عبد الحميد سليم أن «الحكومة تركت استكمال مشروع ترعة السلام واستكمال إقامة المشروعات المتوقفة في شمال سيناء وحولت اهتمامها لمشروع قناة السويس، وهو ما يعني نفض يدها من وعودها السابقة بتعمير سيناء، وهذا سيسمح بتوسع بقعة الإرهاب، بسبب العودة من جديد لتهميش سيناء وأبنائها».
ويعيش نحو 600 ألف شخص في مجمل مناطق سيناء، قسم كبير منهم يعيش تحت خط الفقر. وشهدت سيناء تهميشاً سياسياً وتنموياً على مدى الأعوام الثلاثين السابقة. وجدير بالذكر أنه يجري إقصاء أبناء سيناء من الالتحاق بكليات الشرطة والحربية، ويقتصر التحاقهم بالخدمة العسكرية في مجالات زراعية وصناعية بعيداً عن العمليات العسكرية وحمل السلاح.