القاهرة | الأحلام الاقتصادية في مصر «حبر على ورق». فبعد 30 عاماً من الاستثمار في البلاد لم يتحقق المطلوب بعد، نظراً إلى زيادة معدلات البطالة بنسبة قدرت بـ15% وانتشار نسب الفقر، فيما يرقب المصريون، مع كل وعد رئاسي، مستقبلاً مشرقاً، ليفاجأوا في ما بعد بقرارات تستقطع من مداخيلهم، سواء كان ذلك بالتبرع «جبراً أو طوعاً».

ولعل مشروع محور قناة السويس أول القرارات الاقتصادية القادرة على كشف سيئات النظام الحالي، وذلك في حال عدم تحقق المطلوب منه خلال فترة العام التي قدّرها الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال إطلاقه المشروع، في احتفال مهيب، في الخامس من آب الحالي في مدينة الإسماعيلية.

وتقول الباحثة الاقتصادية في «جامعة كفر الشيخ» مهى منير إن «تكاليف حفل تدشين المشروع في حدّ ذاتها مبالغ فيها وبداية غير مبشّرة وتخالف سياسات التقشف التي يدعو إليها الرئيس (المصري) بشكل غير مباشر».
وتشرح منير أن «فكرة المشروع تقوم على شق مجرى مائي آخر من خلال الحفر الموازي لمجرى القناة القديم، ليصبح هناك خطان، على مسافة معينة، بدل خط واحد فقط، الأمر الذي يدعو إلى بناء مشاريع لوجستية ومناطق حرة تدرّ عوائد بالعملة الصعبة على مصر». وتضيف «الغريب أن القائمين على المشروع تناسوا إظهار الماكيت الخاص بالقناة، وكذلك تناسوا توضيح الرسم الهندسي الخاص، رغم أن ذلك من أبجديات العمل المؤسساتي»، مشيرة أيضاً إلى أنه «لم يُذكر أثناء تدشين المشروع شيء عن مصير عوائده وكيفية استفادة مصر من العملة الصعبة المتوقع دخولها إلى البلاد».
وتختتم الباحثة الاقتصادية حديثها بالقول إن «الإدارة المصرية لم تخترع الذرة، فمشروع محور قناة السويس فكرة قديمة طرحت في عصر الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وصاحب الفكرة هو المهندس حسب الله الكفراوي، لكنها لم تدخل حيّز التنفيذ الفعلي سوى في عهد (الرئيس عبدالفتاح) السيسي». من جهته، يشرح المحلل المالي جمال إبراهيم أن السيسي وجّه وزارتي الاستثمار والمالية بسرعة البدء في إجراءات تأسيس «شركة قناة السويس»، التي ستكون مسؤولة عن تنفيذ «مشروع محور قناة السويس» والقناة الموازية الجديدة، على أن تساهم القوات المسلحة في رأس المال الوطني، فيما تؤكد مصادر مسؤولة أن الجزء المحصور بين القناتين «القديمة والجديدة» ستقام عليه خمسة مشاريع سياحية وتجارية وخدماتية. ومن المقرر أن يجري تدشين القناة خلال أسابيع في وزارة الاستثمار.
يعلّق الخبير الاقتصادي محسن إسماعيل على مسألة اقتصار المرحلة الأولى للمشروع على رأس المال الوطني فيقول «بداية يجب أن نعرف أن المشروعات الكبرى تبدأ من القاعدة إلى القمة وليس العكس، فلا يمكن أن نقوم بتدشين مشروع ثم نبحث له عن كيان اقتصادي... ونبحث بعدها عن التمويل»، لافتاً إلى أن «الإدارة المصرية قررت حفر القناة من دون أن يكون هناك هيئة مستقلة أو شركة مسؤولة عن إدارة هذه الأمور، كذلك تم الإعلان عن المشروع من دون أن توفر له السيولة اللازمة». ويضيف أنه «مع فرضية توفير سيولة من أموال مساهمات المصريين، فكيف يتولى المواطنون من أصحاب المداخيل المختلفة مهمة شق الحفر للقناة في المرحلة الأولى ثم يتركون رجال الأعمال يغتنمون الأرباح إثر تدشين مشاريع لوجستية وسياحية وخدماتية على ضفتيها؟ كيف يمكن أن يتساوى في عوائد الأرباح المهولة من ساهم في شق القناة، ورجال الأعمال المصريون والعرب والأجانب؟».
في السياق ذاته، يوضح الباحث مصطفى إمام أن «السرعة في الإعلان عن المشروع قبل الانتهاء من إطاره التشريعي أو تحديد السياسات الاقتصادية التي يقررها الشعب من خلال مؤسساته التشريعية المتمثلة في البرلمان تعدّ مخاطرة غير محسوبة»، لافتاً إلى أنه «لم يتم طرح المشروع للدراسة على اللجان القومية المتخصصة ودراسة تأثيره وأبعاده ومخاطره على الأمن القومي المصري، ودراسة ما يوجه له من انتقادات بعدم الشفافية».
وفي دراسة أعدّها «بنك عودة ــ مصر»، أكد أن حوالى 80% من أصول البنوك توظف في قروض لعملاء وتمويل لسندات حكومية، فيما يوظّف الباقي في قنوات أخرى. وفي حال الافتراض أن البنوك نجحت في جمع سيولة كافية للمشروع، فسيكون هناك تأثير مباشر على العملاء، مع الأخذ في الاعتبار أن تمويل الحكومة لن يغطي نسبة20% في أحسن التوقعات.
اعتماداً على هذه الإحصائية، أكدت أستاذة الإحصاء في «جامعة بنها»، نوال سعيد، صعوبة الاعتماد على البنوك أو على المؤسسات الحكومية لبدء تشغيل هذا المشروع، لافتة إلى التساؤلات التي يطرحها المصريون بشأن كيفية احتساب عوائد الأسهم المقرر أن يشتروها لتمويل مشروع القناة، وفق ما تطمح إليه الرئاسة المصرية، متسائلة «هل سيتم احتساب عوائد القيمة المضافة التي سيتمتع بها رجال الأعمال والمستثمرون أم سيقتصر دور المواطن المصري على التبرع بشق قناة، تاركاً لغيره التمتع بالعائدات».
وتقول سعيد إنه «صحيح أن مشروع محور قناة السويس سيوفر نحو مليون فرصة عمل في مراحله الأولى، ويصل الى نحو 2.2 مليون في مراحل لاحقة، لكن رؤية المشروعات وكيفية توطين العمالة أمر غاب عن ذهن القائمين على المشروع القومي»، مضيفة «ترتكز تنمية محور القناة على بدء التنمية في ثلاثة مراكز رئيسية: الأول في شرق بورسعيد ويرتكز على منطقة صناعية وأخرى حرة ومركز إداري وخدماتي. الثاني في ضاحية الأمل مع وادي التكنولوجيا والإسماعيلية الجديدة. أما الثالث فيقع في شمال غرب خليج السويس مع ميناء ومطار السخنة، ويرتكز على منطقة لوجستية وأخرى صناعية أيضاً، وأنشطة بحرية وسياحية».