صنعاء | «أنا لست من عناصر جماعة أنصار الله والحوثي، لكنني نزلت أعتصم في الساحات من أجل إسقاط الحكومة وإلغاء قرار رفع الأسعار»، يقول شاب في العشرينيات من عمره وهو يلفّ العلم الوطني اليمني على كتفيه. يبدو هذا الشاب نموذجاً لعدد غير قليل من جموع الناس الذين خرجوا صباح أمس للمشاركة في انطلاق المرحلة الثانية من التصعيد، التي أعلنها زعيم «أنصار الله» عبد الملك الحوثي.


عبارة تدلّ على أن ما أخرج غالبية المعتصمين إلى شوارع صنعاء هو إحساسهم بالظلم الذي وقع عليهم من السلطة الانتقالية التي اعتقدوا بأن مجيئها بعد ثورة شعبية سوف يجعلها تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية تجاه الشعب، وبأن الأمور الاقتصادية والإدارية ستتحسن، وليس العكس.
وبطبيعة الحال، تبدو هيئة عناصر جماعة «أنصار الله» أو المنتمين عقائدياً إلى جماعة الحوثي غير بعيدة عن الهدف العام للاعتصام، وهو إزاحة الأثقال الاقتصادية التي وقعت على الجميع، من دون أن تفرّق بينهم. كذلك فإن ظهور تلك الكمية اللافتة من الأعلام الوطنية مرفوعة في مساحات كثيرة من أماكن الاعتصام، كأنها رسالة خاصة من زعيم «أنصار الله»، مفادها أن ما أخرج الناس ووحّدهم هو الهمّ الجمعي وتبعات الأكلاف الاقتصادية المرتفعة، خصوصاً بعد رفع أسعار المشتقات النفطية. لقد أدى قرار الحكومة رفع الدعم عن المشتقات النفطية إلى تأثر المستويات الاجتماعية الأكثر فقراً، وتحديداً قطاع المزارعين الذين يعتمدون على المشتقات النفطية في تدبير أمورهم المعيشية. وقد أدت مسألة عدم توافر المشتقات بأسعار مناسبة إلى حدوث خسائر باهظة خلال الموسم الزراعي الحالي، ما يصعب تعويضه قريباً.
وهنا، لا يمكن تجاهل أن الإصرار على رفع الأعلام الوطنية هو إشارة مقصودة من قبل عبد الملك الحوثي للتأكيد على أن الألم الجمعي المشترك هو ما أدى إلى خروج الناس من أجل إسقاط الحكومة، وأن ليس هناك أي دوافع طائفية أو نيات لإسقاط الجمهورية، وذلك بحسب ما أكده الحوثي غير مرّة خلال خطابيه الأخيرين.
اليمنيون الذين تقابلهم بين جموع المعتصمين لا يبتعدون عن هذه الفكرة عند الحديث معهم، «نحن مع الحوثي من أجل نيل حقوقنا واستعادة ثورتنا المنهوبة»، عبارة تسمعها من معظم المتكلمين.
ولا يتردد معتصم ثالث في إعلان استغرابه وحزنه بسبب قيام السلطة بتسيير تظاهرات شعبية موجهة هدفها نحو إعلان الدعم للإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة وقصمت ظهر بسطاء الناس.
«لم يحدث في العالم أن خرج الناس في تظاهرة لإعلان فرحتهم بإجراءات اقتصادية ظالمة نجحت في تحويل حياتهم إلى جحيم»، يقول شابٌّ قبل أن يعلن أنه جندي في الفرقة الأولى مدّرع التي كان اللواء علي محسن الأحمر يقودها.
ثم يقول «لقد نجحوا في إفساد الثورة الشعبية بتحالفهم واستغلالهم إياها بشكل أدّى إلى وصول الحالة الاقتصادية إلى ما وصلت إليه».
هذا التنوع الظاهر في خلفيات المعتصمين تؤكده الناشطة والحقوقية مليحة الأسعدي التي شاركت في «ثورة فبراير» 2011، حيث تقول إنه يمكن وبشكل واقعي تمييز وجود «مجموعة تبحث تحقيق أهداف مذهبية كما يمكن ملاحظة مجموعات من الناقمين على حزب الإصلاح من حزب المؤتمر الذي كان حاكماً، وكذلك من شباب الثورة الذين انقلب عليهم الإصلاح وسرق منهم ثورتهم».
وتضيف الأسعدي أن كل هؤلاء هم الغالبية المكوّنة من المعتصمين المعبرين عن طبقة الفقراء الذين أنهكتهم تبعات الجرعة الاقتصادية التي تم إقرارها. كذلك تقول إنه يمكن اعتبار جماعة الحوثي قد استفادت بشكل لافت من «خلاصة أخطاء العمل السياسي في اليمن، وهو الذي جعله يظهر بارزاً بهذه الطريقة»، وعليه ترى ضرورة أن يجري العمل على إعادة تأطير الجماعة في إطار سياسي ووضعه على مستوى واحد مع مختلف الإدارات الحزبية في البلد، مع ضرورة وضع سلاحه في إطار قانوني، وذلك «حتى لا يثير مخاوف الناس التي خرجت معه للثورة على الحكومة القائمة».
هذا في حين لا يتردد أحد المشاركين في إخفاء انزعاجه من الشعارات التي يرفعها أنصار الحوثي، ويقول «لو كانت شعارات تقترب من معاناة الناس لكان ذلك أفضل للحوثي وللاعتصام».