«تلقت داعش أموالاً من قبل مموّلين من الكويت وقطر. السعودية أرسلت السلاح للمتمردين السوريين ولم تكترث أن يقع في أيدي مقاتلي داعش. تركيا سمحت بانتقال مقاتلي داعش عبر حدودها غير المضبوطة مع سوريا. كل ذلك يجب أن يتوقف»، هذا ما دعت اليه افتتاحية صحيفة «ذي نيويورك تايمز» أمس. «الردّ الضروري» الذي طالبت به «تايمز» العرب والمسلمين والغرب هو «على داعش» وليس «على الأسد» هذه المرة.


قبل سنة فقط، لم يكن أحد ليتخيّل أن يقع على افتتاحية مماثلة في الإعلام السائد الأميركي أو البريطاني. ففي هذه الفترة قبل عام تحديداً، كان الإعلام وأبرز القادة السياسيين في الغرب يطالبون برأس الرئيس السوري ونظامه بأي ثمن، حتى ولو بتنفيذ ضربة عسكرية على سوريا، بالتعاون مع الدول المذكورة أعلاه.
قبل عام فقط، كانت الافتتاحيات تتحدّث عن «السعودية الحليفة التي تساعد الثوار على إسقاط الطاغية»، وعن «قطر الصديقة التي تدعم السوريين لنيل حريتهم» وعن «تركيا الشريكة التي تستقبل النازحين وتفتح حدودها لنقل المساعدات»، رغم التقارير الإعلامية والاستخبارية التي حذّرت حينها من نمو المجموعات المتطرفة في سوريا. قبل عام فقط، لم يرد أحد أن يقول لتلك البلدان أن «تتوقف عمّا تفعله»، كيف ذلك وهي تمثّل، حسب التسمية الغربية، «قوى الاعتدال» التي تكافح من أجل حرية الشعب السوري.
قبل عام، كانت روسيا «الشريرة» حليفة «النظام المجرم» وكان «الطاغية» فلاديمير بوتين يدعم «السفاح» بشار الأسد، لكن بعض عناوين اليوم تقول: «بوتين قد يكون على حق في كل ما يتعلق بسوريا»!
قبل عام فقط انتظر الصحافيون بحماسة ساعة الصفر لإطلاق الصواريخ الأولى من بارجة أميركية على الأراضي السورية، وها هم اليوم يدعون لتوجيه الصواريخ حصراً ضد عدوّ الأسد.
لم ينتظر بعض الإعلام الأميركي والبريطاني قراراً رسمياً يعلن مشاركة الولايات المتحدة في معركة التخلص من «داعش» على الأراضي السورية ليعيد ترتيب أولوياته. لنتخلّص من «داعش» أولاً وبعدها... يخلق الله ما لا تعلمون، تكاد تكون رسالة معظم الإعلام الغربي السائد حالياً. إعلام يعترف بـ«غرابة» الوضع و«سورياليته» مقارنة بما كان يدعو اليه قبل عام.
وعندما يسأل ذلك الإعلام «ماذا يكون عدوّ عدوّنا إذاً؟» بعدما أصبح عدوّنا الأول «داعش»، تأتي إجابات بعض مسؤولي الإدارة الأميركية لتزيد من ضبابية الصورة. فالمتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية ماري هارف قالت مثلاً لـ«فوكس نيوز» «كلّا، نحن لسنا في الخندق نفسه مع النظام السوري... لكن لدينا أهدافاً مشتركة معه في التخلص من داعش». الياس غرول في مجلة «فورين بوليسي» تحدّث عن الوضع الغريب الذي يجد فيه باراك أوباما نفسه الآن مع «رجل سوريا القوي»، الأسد، وقد بات «رفيقه» في المعركة ذاتها. لكن غرول يسأل «هل سيشرب أوباما الكأس المرّة بالتحالف مع مجرم للقضاء على مجرم آخر؟»، ويجيب «على الأرجح، لن يفعل».

بوتين أكثر حكمة

لكن، يبقى التحوّل الأبرز أخيراً، في لهجة بعض الإعلام الأميركي والبريطاني ما يقوله البعض حول روسيا في المسألة السورية. «ذي ناشيونال انترست» الأميركية نشرت مقالاً يسأل عن «إمكانية التعاون الأميركي ــــ الروسي في مكافحة داعش». المقال يخلص الى أنه «يجب على موسكو أن تشارك في المعركة ضد داعش» وأن «أي عون تقدمه سيكون مرحباً به». «على روسيا والولايات المتحدة أن تأخذا في الاعتبار مصالحهما الطويلة الأمد في مواجهة من سيعود بالأذى عليهما سوياً»، يردف المقال.
مقال آخر في صحيفة «ذي غارديان» علّق على كلام قائد الجيش البريطاني السابق لورد دانات الذي قال إنه «كان يجب علينا أن نكون أكثر إدراكاً لتاريخ سوريا وجيوسياستها قبل عام. والآن علينا أن نتحدّث الى الأسد بالسرّ والعلن حول المعركة المشتركة ضد داعش». «ما لم يقله دانات هو إن الروس كانوا على حق قبل عام» ولكن حينها كانوا «أعداءنا الجدد أيضاً» علّق مقال «ذي غادريان».
أما المقال الأبرز الذي نشرته صحيفتا «ذي واشنطن بوست» الأميركية و«ذي إندبندنت» البريطانية فكان لمحلل شؤون السياسة الخارجية الأميركي ـ الهندي إسهان ثارور، بعنوان «بوتين قد يكون محقاً حول سوريا». الكاتب ذكّر بما جاء في المقال الذي كتبه الرئيس الروسي في صحيفة «ذي نيويورك تايمز» في أيلول من العام الماضي، والذي حذّر فيه من مخاطر ضرب نظام الأسد كونه نظاماً علمانياً بمواجهة مجموعات من المرتزقة المتطرفين، ما سيؤثر على كامل قضايا المنطقة.
«هذا لا يجعل من بوتين قدّيساً، لكن يجعله أكثر حكمة من باراك أوباما وجون ماكين في ما يتعلق بالشرق الأوسط»، علّقت مجلة «ذي أميركان كونسيرفاتيف» على مقال ثارور مستعيدة ما جاء في مقال بوتين.