غزة | «قتلنا أخوك... دمرنا بيت أهلك»، كلمات سقطت أثقل من الماء البارد على رأس الأسير سعيد أبو شلوف؛ فبعد عدة ساعات من استهداف منزله جرى استدعاؤه لمقابلة إدارة السجن، وهناك أبلغوه بكل برودة أنهم قتلوا شقيقه عبد الرحمن (31 عاما) ودمروا بيت العائلة. بهذه الطريقة الجديدة يعمد الاحتلال الإسرائيلي إلى كسر الروح المعنوية للأسرى داخل السجون، وهم الذين تحدوه بإضرابهم عن الطعام في أكثر من معركة للكرامة، لكن من يسمع وجعهم المضاعف في ظل انشغال العالم بالحرب في غزة؟


وتؤكد عائلة الأسير أبو شلوف أنها تجنبت إبلاغ ابنها الأسير ما وقع لمنزلهم، وخاصة استشهاد ابنها عبد الرحمن بعد استهدافهم بعدة قذائف من مدفعية الاحتلال، وذلك تقديرا للوضع النفسي الذي يمكن أن يعيشه سعيد داخل الأسْر، لكن الاحتلال سبق العائلة، وحتى وسائل الإعلام التي تختلط فيها الأخبار وتتسارع، وأوصل الخبر بطريقة فجة للأسير، ومنذ ذلك اليوم علمت عائلة سعيد أنه دخل في وضع نفسي صعب جدا، ولا يتناول الطعام برغم أن زملاءه في السجن يحاولون التخفيف عليه ومواساته، وهذا أيضا ما ضاعف ألم الأم.
حالة أبو شلوف ليست الأولى، فقد سبقها تبليغ الأسير باسل عريف (31عاما، محكوم بالسجن لمؤبدين و54 عاما)، استهداف قوات الاحتلال 4 من أبناء عمومته خلال مجزرة حي الشجاعية شرقي مدينة غزة.
كذلك استخدمت باقي إدارات السجون الطريقة نفسها، وهو ما تكرر مع الأسير أحمد الصوفي (محكوم بـ24 عاما) الذي فقد شقيقه عبد الهادي إلى جانب حدوث أضرار كبيرة في منازل عائلته وأقربائه، كما تفيد أسرتا الأسيرين علاء شيخ العيد (معتقل منذ كانون الأول 2002) ورأفت أبو سنيمة (معتقل منذ نيسان 2009) بأن الاحتلال تعمد إبلاغهما أن بيوتهما نسفت كليا، وهو ما لاقاه الأسير صالح أبو شوشة (محكوم بـ14 سنة)، وجميعهم من سكان رفح جنوبي القطاع.
ويؤكد الناطق باسم مفوضية الأسرى والمحررين في حركة «فتح» في غزة، نشأت الوحيدي، أن أوضاع الأسرى المعيشية والصحية تزداد سوءا في ظل السياسات الانتقامية الإسرائيلية التي تتصاعد في ظل العدوان على القطاع، وأضاف: «استغلت إدارة السجون انشغال الناس عن الأسرى وفرضت عدة عقوبات كتقليص وقت الفورة (النزهة) إلى ساعتين يوميا بدلا من أربع كما لا تسمح فيهما إلا بخروج 15 أسيرا كل مرة».


خلال الحرب قطعت
إدارة السجون عن
الأسرى بث 7 قنوات
من أصل 10

ومن هذه العقوبات، وفق قوله، تقليص مخصص الأسير من 1200 شيكل إلى 400 شيكل فقط (300 دولار إلى 110 دولارات)، وأيضا تقليص زيارات الأهالي إلى نصف ساعة كل شهر، وسحب سبع قنوات فضائية من أصل عشر، علما بأن الثلاث الباقية اثنتان منها عبريتان.
برغم هذه العقوبات، يذكر الوحيدي لـ «الأخبار» أن أكثر ما يرهق الأسرى الوضع النفسي الذي يرافق الحرب، «فمن لم يهدم بيته أو تصب الحرب أسرته، فإنه يعيش يومه بين مواساة زملائه والقلق على أهله ومتابعة الأخبار»، مشيرا إلى حرمان الأسرى متابعة ما يتعرض له عائلاتهم في غزة، بعد قرار إدارة السجن إلغاء تردد تلفزيون فلسطين، «وكذلك منعهم من التواصل والاطمئنان إلى عائلاتهم إلى جانب استمرار التفتيشات الاستفزازية والعبث بمحتوياتهم الشخصية بحثا عن هواتف محمولة».
ووفق مصادر مقربة من الأسرى، فقد فرضت مصلحة السجون عقوبات مشددة على سجن «مجدو» شمال فلسطين المحتلة، بعد سماع إدارة السجن صوت تكبيرات في أقسام السجن حينما وصلهم نبأ أسر المقاومة جنديا إسرائيليا، فأغلقت الإدارة أقسام السجن، ومنعت الأسرى من الخروج إلى الفورة والشراء من «الكانتين»، كما أوقفت بث قنوات التلفاز.
نار الحرب لم تمس الأسرى داخل السجون فحسب، بل طاولت المحررين منهم أيضا، وخاصة من خرجوا في صفقة «وفاء الأحرار عام 2011»، إذ إنهم يعيشون الحرب الثانية منذ الإفراج عنهم، فضلا عن استهداف منازلهم.
من هؤلاء المحرر المبعد إلى غزة، هلال جرادات، الذي قصف الاحتلال شقته السكنية في أحد أبراج مدينة الزهراء وسط غزة ما ألحق أضرارا كبيرة بها.
أيضا جرى استهدف منزل المحرر محمد نشبت (54 عاما) في مخيم النصيرات (وسط) ولا يزال نشبت يتابع العلاج في الخارج، وخاصة أنه خرج من السجن مصابا بمرض القلب. أما منزل المحرر في الدفعة الأولى لأسرى ما قبل أوسلو، أيمن أبو ستة (41 عاما) في منطقة الزوايدة (وسط)، فقد دمر كليا.
وكذلك استهدف الاحتلال، وفق إحصائية غير رسمية سبعة بيوت أخرى لأسرى محررين خلال الحرب، وذلك في وقت قالت فيه وزارة شؤون الأسرى والمحررين، إن هناك إجراءات عقابية موسعة وشاملة تمارس بحق أسرى حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» منذ ما قبل بداية الحرب، وتحديدا بعد إعلان السلطات الإسرائيلية عن اختفاء ثلاثة مستوطنين في الخليل، ثم اشتدت الإجراءات خلال الحرب الجارية.