غزة | ليس الوصول إلى أحد أنفاق المقاومة في غزة أمرا هينا مع السرية التي تحيط «سر الانتصار» كما يسميها المقاومون، وأيضا في ظل القصف المكثف الذي يحاول الوصول إلى «غزة التي تحت الأرض» بمساعدة عيون الاحتلال.

احتياطات عسكرية كثيرة ودراسة للوضع الأمني وخطورة الحضور الصحافي إلى الأنفاق استغرقت أياماً طويلة قبل السماح لنا بالوصول إلى إحدى مناطق التماس والمواجهة على الحدود الشرقية لقطاع غزة.

ومثلما كان متوقعا، اشترط المقاومون علينا التخلي عن جميع وسائل الاتصال اللاسلكي قبل أن تقتادنا سيارة رباعية الدفع حيث النقطة الصفر. طلب أحد المقاومين بلطف أن يعصب عيوننا قبل وصولنا إلى المكان، ولم نكن نشعر بالحفر الناجمة عن القصف الإسرائيلي، وكانت تُفقد السيارة توازنها.
وبينما كان أحد المقاومين يغني كلمات من أنشودة «ستهزمون» اللبنانية، همس آخر بالقول: «نثق بكم لكنها أوامر القيادة».
أقل من ثلاثين دقيقة كنا قد وصلنا إلى مكان زراعي لا يسمع فيه سوى هديرُ الطائرات التي لم تتوقف، فضلا عن صوت واضح لحركة الآليات العسكرية المرابطة داخل الشريط الحدودي، وكان واضحا أن المسافة بيننا لم تتجاوز مئات الأمتار.


الحفر في حال
توافرت الكهرباء لم يتجاوز ثلاثة أمتار خلال اليوم الواحد

يرحب القائد الميداني للمجموعة التابعة للجان المقاومة الشعبية، أبو محمد، بضيوفه الصحافيين حاسراً عن وجهه، قبل أن يومئ بضرورة إنجاز التصوير سريعا تحسباً لأي طارئ، فالمحافظة على سرية المكان أولى من أي شيٍ آخر، لكنه يوضح أن عرضهم جزءا من استعدادتهم يأتي لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وفي سياق الحرب النفسية ضد إسرائيل لجهة نفي ادعائها تدمير الأنفاق في غزة.
ولا يخفى أن الدخول إلى النفق يتطلب استعداداً نفسياً وجهداً بدنياً كبيراً، لكن ما يبدد التوتر ابتسامة المقاومين المرحبة بنا في عمق الأرض تحت أمتار طويلة لم يخبرونا عنها لكننا قدرنا أنها لا تقل عن عشرين، وكانت أول عبارة سمعناها من هؤلاء الرجال: أهلا وسهلاً بكم في عالم غزة الآخر، من هنا هزمنا إسرائيل.
يوضح أبو محمد لـ«الأخبار» أن يوم ميلاد الأنفاق بدأ من اللحظة التي استشعر فيها المقاومون حجم الكلفة البشرية العالية للعمل من على ظاهر الأرض، «فسرعة صواريخ الطائرات، وخاصة من دون طيار، تفوق محاولة تخفي المقاومين عن أعينها».
الكلفة العالية والتفوق التكنولوجي الهائل للطائرات الإسرائيلية أفضيا إلى أن يكون ثمن إطلاق صاروخ واحد رحيل اثنين من المقاومين أو أكثر. يستطرد الرجل موضحاً أن جغرافيا قطاع غزة السهلية المنبسطة، وما تتضمنه من تضاريس مستوية، أسهما في تفوق سلاح الجو خلال السنوات والحرب الماضية، ويضاف إلى ذلك خاصرة القطاع الضيقة، التي لا تتجاوز ستة كيلومترات في بعض مناطقها، وأوسعها لا يتعدى ثلاثة عشر كلم.
يسترسل أبو محمد في استحضار النجاح العسكري الذي حققه «المقاومون الأوائل» سابقاً، ويقول إن الفكرة فارسية الأصل في التاريخ الإسلامي على يد الصحابي سلمان الفارسي، لكنه يستدرك أنهم استفادوا من التجارب الحديثة للدول، وخاصة خلال حرب تموز 2006 في لبنان، ما لفت انتباه المقاومة إلى الضرورة الاستراتيجية لهذه الأنفاق.
برغم ذلك، لم يستطع المقاومون الفلسطينيون تجهيز أنفاق متعددة الاستخدام خلال الحرب الأولى 2008-2009 وإن سبق ذلك استعمالهم إياها للحفر تحت مواقع إسرائيلية وتفجيرها. أما اليوم، فهي تستخدم إما للتخزين والتصنيع، أو لقصف الصواريخ والهاون، وحتى للتنقل بين النقاط العسكرية، وليس أقل من ذلك مباغتة العدو خلف خطوطه أو قرب الحدود.
هكذا، يقول أبو محمد، نقلت المقاومة الاستخدام الموضوعي للأنفاق، المقتصر على العمليات العسكرية الهجومية، وكان يستعمل النفق فيها لمرة واحدة إلى عمل موسع صار يمثل العمود الفقري لحرب العصابات، وبذلك تقلص عدد الشهداء من الوحدات الصاروخية والمقاومين على البر.
والأهم من ذلك أنها تمثل حماية للمقاومين بفضل عمقها «الذي يعصمها من صواريخ الطائرات الحربية»، لكن هذا العمق يظهر حجم الجهد المذبول لإنجازه. ليست أياماً ولا ساعات، يقول مقاوم آخر داخل النفق يدعى أبو علي، مستدركا أنه عمل طويل يحتاج إلى صبر كبير.
أما في النفق الذي زارته «الأخبار»، فالقصة معقدة أكثر، فأبو علي ينبه إلى أن مناطق التماس الحساسة التي لا تبرح العين الإسرائيلية تراقبها على مدار الساعة، يكون العمل فيها أكثر دقة وصعوبة، «لذا ينحصر حفر النفق في هذه الحالات في أعداد محدودة من المقاومين قد لا تتجاوز أصابع الكف الواحدة».
يسبل الرجل عينيه ثم يصدمنا بأن العمل في النفق الذي نجلس داخله استغرق سنة كاملة، بمعدل يفوق عشر ساعات في اليوم، مع إشارته إلى أن الإنجاز إذا توافرت الكهرباء لتشغيل بعض الأدوات البسيطة لا يتجاوز ثلاثة أمتار خلال اليوم الواحد.
وبخلاف ما أشيع عن المعاناة داخل الأنفاق، فالجو هنا كان باردا. يمازحنا أحدهم بوصفه أنه «مكيف رباني»، ثم يضيف أنهم اعتادوا الحياة داخل الأنفاق، وحتى في أيام الحرب قضوا أكثر من ثلاثين يوماً لم يبرحوا مكانهم سوى للهجوم المباغت على العدو.
لا أحد يمكنه تحديد عدد الأنفاق التي أنجزت خلال السنوات الماضية، لكن ما تؤكده المقاومة أن شبكة أنفاقها التي بنتها خلال أكثر من ست سنوات لا يمكن لعشرين ألف طن (تقدير كمية المتفجرات التي ألقيت على غزة) أو أضعافها أن تقضي عليها، «كما لا تحسم الأمر جولة أو اثنتان».
يشعرنا أبو محمد في حديثه بكم كبير من الثقة، وربما يبني ثقته على المنظومة المتينة التي صنعت بها المقاومة أنفاقها، فهي تحسبت، كما يقول، لصواريخ الـ F16 والقنابل الكبيرة.
وعن «حياتهم» داخل «غزة الأرضية» تكفي بعض المعلبات الفارغة وبقايا الطعام لتقدم صورة عن الأيام التي عاشوها. هنا التفت أحد المثلمين إلينا ونحن نمسك أحد أغلفة البسكويت الفارغة قبل أن يتبسم مستذكراً تفاصيل ثلاثين يوماً لم تغادر فيها مجموعته النفق، ما اضطرها إلى التقنين في استهلاك الطعام والماء، لافتا إلى أنهم تعمدوا جلب المعلبات والأغذية المجففة التي تحوي سعرات حرارية كثيرة، ولا تفسد سريعاً. ولم يخفوا حنينهم إلى طعام زوجاتهم، لكنهم وعدوا أهلهم وشعبهم بالعودة منتصرين أو شهداء.