مع اقتراب المفاوضات الفلسطينية الصهيونية من أيامها الأخيرة، ثم إعلان فشلها، بتُّ أعتقد أنني لم أكن مخطئةً أبداً حينما قلت إن هذه المفاوضات ليست أكثر من كذبةٍ كبيرة. نحن العائدين هنا في لبنان أكثر من يعرف المفاوضات ويميّزها لأننا أكثر من اكتوى بنارها وتعلّق بها ودفع ثمنها، هو ثمنٌ قد لايعرفه كثيرون إلا أننا ميزناه وعرفناه: كلما كانت هناك مفاوضات، فاز الصهاينة وخسرنا نحن، وباتت فلسطين أبعد. نحن نعرف أن فلسطين لا تعود إلا بالبندقية، وبغير ذلك لن نعود ولن تعود أحلامنا حتى.

ما كنا نحلم به منذ زمن بعيد هو مفاوضٌ صلب، قاسٍ لا يلين أمام تهديدات العدو، يفاوض متى يريد ويقول ما يريده ولا يخشى أبداً من أي ريحٍ متى هبت. هكذا كنا نتمنى مفاوضنا، وإن كنا نكره المفاوضات والتفاوض بشكلٍ كبير، لكنها أقل الشرور و«أبغض الحلال». فغزة الجريحة كانت بحاجةٍ لفترةٍ قصيرة تستجمع أشلاءها وتدفن أبناءها الشهداء، كانت المدينة المتعبة بحاجة كثيراً لتضميد بعض الجراح ثم الانتقال إلى المرحلة اللاحقة، التي قد يكون فيها الموت أو الحياة برفع الرأس فحسب!

هذه المرة كانت المفاوضات بشروط أبو عبيدة (الناطق الرسمي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسّام) ومحمد الضيف (القائد العام للكتائب نفسها) وليس أي أحدٍ آخر.
هكذا كانت الأمور بوضوحٍ بالغ، لنا نحن العائدين، ولأهل غزة الصابرين، ولعموم الفلسطينيين. بات للفلسطيني الذي اكتوى بنار قياداتٍ لا قيمة لها بعد رحيل الجيل الذهبي من القادة، جيل أبو عمار، وأبو جهاد، وجورج حبش ووديع حداد، فجأة، قائد للمقاومة أشمّ، مشابه بتداخلٍ مع سماحة السيد حسن نصرالله قائد المقاومة في لبنان. فجيل أبو مازن والدحلان والرجوب أوصلنا إلى حالٍ مخيفٍ من الترهل جعلنا نوافق على أي شيءٍ ونذعن لفكرة أن حلمنا بالرجوع صعبُ المنال. لكن أبا عبيدة بكوفيته الحمراء التي تغطي وجهه بأكمله، وتبقي عينيه مشعتين للخارج أراد أن يقول كلاماً آخر. وكذلك أبو خالد (محمد الضيف)، انتهى عصر المفاوضات والذل والهزائم، على المفاوضين أن يعودوا من القاهرة وأن ينتهي هذا المسلسل المذل! هكذا بكل بساطة وعنفوانٍ وقوة أنهى الرجلان ألمنا، انتزعاه من مكانه بكل خفةٍ وسهولةٍ. كانا يعرفان بدقةٍ أن أهل غزة قد دفعوا وعانوا الكثير، حتّى أن بعضهم لم يدفنوا أبناءهم بعد، لكنهم بنفس الوقت يعرفون أن الغزّيين لا يقبلون بالنوم على ضيمٍ وقلة كرامة، فكرامتهم من الله، والله لا يرضى الذل لأحد! ولأن القائد عليه أن يكون في مقدمة المعركة، قدّم أبو خالد ابنه الطفل عليّاً وزوجته شهدين على أرض غزّة. هكذا يتساوى الجميع، هكذا يكون القائد، فليس لأحدٍ منة على أحد، ليس لأحدٍ أن يقول إن القائد يعيش حياةً خاصة، أو يفضّل نفسه عليه، القائد كما جنوده، يعيشون معاً، يموتون معاً، وحكماً: ينتصرون معاً.


نفرح كالأطفالٍ
حين يعلن ذو
الكوفية الحمراء مطار العدو مقفلاً




منذ بداية الأحداث في غزّة قبل شهرٍ تقريباً، ونحن نجلس ههنا في مخيماتنا نتابع الأخبار كما لا عمل له إلا ذلك، نفرح مع كل صاروخٍ للمقاومة، نقول إنها تقترب، وكانت الانتصارات تتوالى، إذ إننا لبعدنا نستطيع رؤية الصورة كاملةً أكثر، ففي المخيم ورغم كل الضجة والزحام والبيوت المتداخلة، لا تزال فلسطين تشرق من كل الثقوب بين المنازل. ففلسطين ههنا ليست مجرد فكرة، فلسطين هي الأمل الوحيد الباقي لكل الناس هنا، وصواريخ المقاومة كانت هي المفتاح الذي ينتظره الجميع، فاليقين بالسلام والحركات السلمية وحتى الاحتجاجات والتظاهرات، لن يقود إلى شيء مع عدو مثل الصهيوني.
في المخيم كثيرون هم الناجون من مجازر، البعض حتى هو ناجٍ من مجازرٍ من الصهاينة بشكلٍ مباشر، من دير ياسين وغيرها من القرى التي قتلت عصابات الشتيرن والهاجاناه أهلها بأكملهم ودمرتها. قريتي الكويكات مثلاً دمرت بأكملها، ولم يبق فيها حجرٌ على حجر، ومع هذا فإن أهلها لا يزالون حتى اللحظة يحفظون طرقها ومساراتها وبيوتها بأشكالها القديمة كما كانت، يروونها كي لا ينساها أحد. هذا هو ما كانت تلك الصواريخ مفتاحه وبوابته!
دخل أبو عبيدة إلى المخيّم فجأةً، المقاوم الذي لم نكن نعرفه قبل أسابيع عدّة، فجأة دخل إلى المخيّم، بات الشباب والفتية يتزينون بكوفيته الحمراء، ويلبسونها على طريقته، وإذا ما سرتُ في المخيم وجدتُ أكثر من شابٍ يضعها بهدوء على كتفيه، في إشارةٍ إما إلى تضامنٍ مع الرجل، أو لتأكيد أهمية المقاومة، فالكوفية (الحطة) هي علامةٌ فلسطينية تؤكد استمرار النضال وأحقيته وارتباطه أساساً بأصحاب الأرض أنفسهم. بات للفلسطيني رجل ينتظرونه كلما أطل، يستمعون إليه كلما تحدث، وهي مرحلةٌ غابت كليّاً عنا، حيث إننا لم نكن نصغي أبداً إلى أيٍّ من خطابات القادة الفلسطينيين الحديثي العهد، إذ لم يكن لكلامهم أي قيمة، طعم أو لون. أما ذو الكوفية الحمراء كما تسميه جدتي، فهو لا يقول إلا حكماً ودرراً وكلاماً فصلاً.
هكذا نحن اليوم، على أبواب معركةٍ جديدة، ننتظر كيف ستكون ألوان غزة القادمة، ونفرح كأطفالٍ صغار حينما نعلم بأن ذا الكوفية الحمراء قد أعلن مطار العدو (بن غوريون) ممنوعاً على الطائرات، هكذا بتنا نحن من نأمر الصهاينة، وهي المرة الأولى وبالتأكيد لن تكون الأخيرة!




خاض الفلسطينيون العديد من جولات المفاوضات مع العدو الصهيوني وقد كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات يجيد لعب ورقة المفاوضات بشكلٍ كبير، كان يعرف متى يجب عليه أن يستميت للحصول على مطالبه ومتى يوافق على مطالب الصهاينة، فهو، وإن لم يرضِ كثيراً من الفلسطينين، استطاع أن يدخل إلى فلسطين مرة أخرى، وأن ينتزع اعترافاً من الصهاينة بوجوده. لكن على الرغم من ذلك لم يستطع أبداً حل مشكلة العائدين، ولا مشكلة المستوطنات.