غزة | لم تُفضِ محادثات القاهرة لوقف الحرب إلى نتائج واضحة لدى المواطن الغزي، ولا سيما أنه لم يلمس حتى هذه اللحظة أي تغيير إيجابي إلا في إبحار الصيادين مسافة ستة أميال بحرية وعودة المزارعين إلى أراضيهم المدمرة حالياً. وبقدر ما تبقى عيون أهالي قطاع غزة تنظر إلى ستة معابر مع الأراضي المحتلة (جزء منها مغلق سابقاً) من أجل مرور البضائع والمساعدات، فإنهم يركزون اهتمامهم على معبر رفح مع مصر.


في الاتفاق الأخير استُثني «المعبر الفلسطيني ــــ المصري» كما أحبت القاهرة إعادة توصيفه وجعلته خارج المحادثات، لذلك بقيت المعابر المرتبطة مع الاحتلال هي المقيدة للبحث، علماً بأنه سجل زيادة تدريجية أخيراً على ما تدخله تلك المعابر، وفق مصادر محلية وأمنية.
والآن سيجري علاج قضية رفح على عكس اتفاق 2012 الذي سمح بفتح المعبر من دون وجود السلطة الفلسطينية عليه. لكن مصر شددت على أنها لن تفتح المعبر بصورة كاملة والعمل فيه بطريقة اعتيادية إلا بإخطار رسمي من السلطة يقضي بوجودها على المعبر وانتشارها على طول الحدود مع مصر.


معبر رفح يعمل
بصورة طارئة في انتظار عودة حرس الرئاسة

هذا الشرط لم ترفضه الفصائل المفاوضة، بل قبلت أن تكون كل المعابر حتى مع الاحتلال تحت إدارة حكومة التوافق، وإلى أن يجري إعلان ذلك «يعمل المعبر»، كما تقول وزارة الداخلية في حكومة غزة السابقة، «بصورة طارئة منذ منتصف الحرب الأخيرة». وتضيف «الداخلية» أن الفئات المسموح لها بالسفر محدودة، وهي حملة الجوازات الأجنبية والجرحى وأضيف إليهم أصحاب الإقامات «على أن من يخرجون أعدادهم 300-350 مواطن في اليوم الواحد».
في مقابل ذلك، أكد عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، موسى أبو مرزوق، أن حركته لا تمانع تولي حكومة التوافق الإشراف على تطبيق بنود المحادثات التي جرت في القاهرة «حتى في الإشراف على قضيتي الميناء والمطار». ورحب، في حديث مع «الأخبار»، بعودة حرس الرئاسة إلى إدارة المعبر عبر الموظفين القدامى، لكنه أبدى رفضه التام لطرد الموظفين الحاليين «واعتبارهم غير شرعيين».
أما عن المعابر مع الاحتلال، فلم تقدّم صورة واضحة في شأن تفاصيل عملها والمواد التي ستدخل عبرها إلى غزة، خاصة مع غياب مواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار عن الأصناف الواردة، وحتى في معبر بيت حانون (إيرز) المخصص للأفراد (شمال قطاع غزة) لم تظهر بعد تفاصيل أي تسهيلات معينة لمرور أصحاب الحاجة عبره إلى الضفة المحتلة.
عن باقي المعابر، يمكن أن يغيب منها «كارني» (شرق) الذي أغلقته إسرائيل عام 2011 ونقلت معداته إلى «كرم أبو سالم»، والأخير الآن «محط التركيز»، خاصة أنه المعبر التجاري المجهز جيداً. أيضاً جرى إغلاق معبر الشجاعية (ناحل العوز) (شرق) عام 2010 وإزالته كلياً، مع أنه كان يحتوي على خزانات أرضية مخصصة لنقل مشتقات البترول (البنزين والسولار والغاز). أمّا معبر «صوفا» (جنوب)، فهو الآن صحراء جرداء، وكان يستخدم قبل فرض الحصار لنقل مواد البناء، كذلك استخدم في بداية الحصار لنقل البضائع قبل إغلاقه نهائياً.
بالعودة إلى «كرم أبو سالم»، فإن أقصى طاقة لعمله اليوم هو دخول 450 شاحنة، برغم حاجة القطاع إلى نحو 1000 شاحنة يومياً على مدار العام دون إغلاقات، وهو ما لا يتوافر حالياً لدى المعبر الذي يدخل نحو 320 شاحنة في اليوم، ويعمل خمسة أو ستة أيام من دون العطل الإسرائيلية والظروف الأمنية. ووفق غرفة التجارة في غزة، أُغلق هذا المعبر 130 يوماً في 2014، ما يعني أنه معطل لـ35% من مجمل العام.
في هذا السياق، شدد أبو مرزوق على أن الاتفاق أكد ضرورة فتح خمسة معابر مرتبطة مع الاحتلال، «وزيادة الكميات التي تدخل فيها إلى ما يساوي على الأقل ما يدخل الضفة المحتلة، وأن يختار الفلسطينيون أنواع المواد اللازمة لهم». وتابع: «الاتفاق نصّ صراحة على ألا يتحكم الاحتلال بمستلزمات الفلسطينيين، أي إنّ من حقنا دخول المواد الأساسية والثقيلة التي تحتاجها أيضاً مصانع غزة».
في المقابل، علمت «الأخبار» أن الوفد لم يناقش التفاصيل في شأن المعابر الخمسة المفتوحة أو المغلقة، وترك ذلك لاستئناف محادثات القاهرة التي ستعقد في الأيام المقبلة لتوضيح القضايا التفصيلية بها قبل إبرام الاتفاق النهائي خلال شهر كما هو مقرر. وأفادت مصادر أخرى بأن نائب رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، زياد الظاظا، صاحب الوفد بصفته خبيراً اقتصادياً لبحث هذه التفاصيل، والمساهمة في وضع رؤية للتعامل الملفات الاقتصادية في الاتفاق.
والاتفاق، كما يؤكد الظاظا لـ«الأخبار»، لم يبتعد عما نصّ عليه اتفاق القاهرة عام 2012، «وهو فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع»، لكنه لم يعط تفصيلات تتعلق بكيفية التنفيذ. بناءً على ذلك، علق أبو مرزوق بالإشارة إلى أن الاتفاق ينص صراحة على رفع الحصار كلياً وفتح جميع المعابر، «ونحن في انتظار التفاصيل».
ويبدو أن الوفد كان يبحث في المقام الأول قضية الممر المائي التي أُصرّ عليها قبل وقف الحرب في هدف هو فك الارتباط نهائياً مع الجانب الإسرائيلي وحتى المصري، وأيضاً هو مسعى لا يزال قائماً، لذلك جرى التحرك وفق هذا السقف وبقيت تفاصيل المعابر بعيدة عن النقاشات الأخيرة.
وقبل الحرب، كانت نسبة البطالة في غزة 45% (عدد المتعطلين من العمل أكثر من 200 ألف شخص)، إلى جانب فقدان ما يزيد على 700 ألف مواطن دخلهم اليومي، وهو ما يمثل أكثر من ثلث سكان القطاع وفق إحصائية أصدرتها الغرفة التجارية، والتي تحدثت مصادر منها لـ«الأخبار» عن أنها تتوقع بعد الحرب تجاوز معدلات البطالة في غزة حدود 55%، رابطة ذلك بنتائج الدمار وعمل المعابر بالزيادة التدريجية البطيئة.
بدوره، يوضح الخبير الاقتصادي، ماهر الطباع، أنّ من الضروري الانتباه إلى البضائع التي يمنع الاحتلال دخولها «وكانت سابقاً تحتجز جزءاً منها وتتلفه بحجة أنه لا يطابق المواصفات الإسرائيلية، ما يسبب خسائر كبيرة للتجار الفلسطينيين. ودعا الطباع، خلال حديثه مع «الأخبار»، إلى أن يركز المفاوضون على «إلغاء قائمة الممنوعات من السلع الوردة إلى قطاع غزة بحجة أنها مزدوجة الاستخدام وتشمل ما يزيد على 100 صنف»، مشيراً إلى أن هولندا سبق لها أن مولت جهاز فحص أمني «Scanner Machine» لتسريع العمل في معبر كرم أبو سالم وإدخال البضائع عبر حاويات تسرع العمل. كذلك دعا إلى الإدخال الفوري للمعدات الثقيلة والخاصة بالبنية التحتية، فضلاً عن الإلكترونيات التي تحتاج تصاريح دخولها وقتاً طويلاً للحصول عليها.