صنعاء | ظهرت خريطة التوسع الجديد للحوثيين في اليمن واضحة منذ إعلان السيطرة على محافظة عمران المتاخمة للعاصمة، بعد سلسلة حروب، كانت تتجه نحو العاصمة صنعاء. المرحلة الأولى: كان على الحوثيين تأمين حدود صعدة تماماً، والأهم رصد أي مسافة مربكة بينهم وبين خصومهم من الإخوان المسلمين أو «التجمع اليمني للإصلاح»، فظهرت صعدة المحافظة والمدينة إمارة حوثية بالكامل: الحوثيون يسيطرون أمنياً بصورة كاملة، والمحافظ يُعيَّن بموافقتهم.


المرحلة الثانية: شملت المحافظات والمدن القريبة، لكن عمران تبقى الأهم، لأنها عاصمة القبائل، ومركز نفوذ وقوة قبيلة حاشد تحديداً، وهي أكبر القبائل اليمنية، والتي تعد الحاضن الاجتماعي للإخوان المسلمين في اليمن. وهي قبيلة آل الأحمر الخصوم التقليديين للحوثيين. وهنا يبرز اسم الشيخ حميد الأحمر مقابل عبد الملك الحوثي.
هذه المرحلة لم تنته بعد، برغم إعلان السيطرة تماماً على مدينة ومحافظة عمران المجاورة للعاصمة؛ فالحرب لا تزال مشتعلة في الجوف شمال صنعاء، في وقت يحشد فيه الحوثيون باتجاه العاصمة، ويعلنون التصعيد ضد الحكومة المركزية. وهنا تتجه الأنظار نحو العاصمة وتكثر التأويلات حول إسقاط العاصمة بالقوة، بحجة مطالب اقتصادية واجتماعية.
المرحلة الثالثة: الحرب خارج صعدة، وبدأت منذ إعلان رفض الحوثيين القرار الرئاسي الأخير برفع الدعم عن المشتقات النفطية، وهو قرار وجد رفضاً وسخطاً في المجتمع اليمني، لأنه يحمّل المواطن البسيط تبعات اقتصادية لسياسة اقتصادية فرضها البنك الدولي، لم تبد أي تحسن خلال السنوات السابقة.
في هذه المرحلة، احتشد الحوثيون وحلفاء لهم من قبائل صغيرة حول صنعاء، في استجابة، لنداء عبد الملك الحوثي الذي يطلب الاعتصام رفضاً للقرار الرئاسي برفع الدعم ويطالب بتغيير الحكومة في صنعاء.


السعودية أبدت
تخوفها وقلقها من تدهور الأوضاع


التفاوض لم يتوقف
رغم فشل اللجنة الرئاسية في التوصل إلى اتفاق

الرد من جانب الرئاسة جاء عبر تشكيل وفد توجه إلى صعدة للقاء زعيم الحوثيين، لكن بعد ثلاثة أيام، وبينما كان الوفد لا يزال هناك، يخرج الحوثي على الشاشات معلناً التصعيد، ورفض أي حلول وسط. عاد الوفد إلى صنعاء وأعلن فشل المفاوضات وألقى اللوم على الحوثيين واتهم بالإعداد لاقتحام صنعاء.
المناورات التي تمت في الوسط، لم تكن كافية لحسم المسألة لمصلحة أي من الطرفين، وبقي الرئيس يوجه اتهامه لإيران، بأنها المحرض الرئيس للجماعة المسلحة في صعدة، وأن ما يحدث هو مساومة، سوريا باليمن، أي إنها صفقة بين إيران والسعودية.
السعودية التي لم تكن غائبة تماماً عن المشهد، أبدت تخوفها وقلقها من تدهور الأوضاع، وأكدت أن أمن اليمن يهمها، وكذلك أعلن مجلس التعاون الخليجي. لكن الملاحظ خلال الفترة الأخيرة أن العلاقات بين اليمن والسعودية لم تكن في أحسن أحوالها، وكذلك العلاقات اليمنية – القطرية. وهذا له علاقة بالدعم الذي حظي به إخوان مصر من قبل إخوان اليمن، إلى جانب الاتهامات للرئيس هادي بأنه يدير علاقات إقليمية سيئة مع الجيران. لكنه في المقابل لم يحتفظ بعلاقات جيدة مع اللاعبين المحليين أيضاً.
عملية التفاوض لم تتوقف، رغم أن اللجنة الرئاسية أعلنت فشلها في التوصل إلى أي اتفاق، واستمر هادي في إرسال مبعوثين خاصين إلى صعدة، منهم أمين العاصمة عبد القادر هلال، المقبول من قبل الحوثيين، وسط مخاوف من حصول كارثة.
الحوثيون يطبقون الخناق على صعدة، وعلى حولها من مدن مثل عمران، ويستمر تمددهم باتجاه مناطق ومدن جديدة مثل حجة والجوف، ويعززون في الوقت نفسه من حصارهم لصنعاء، ويعلنون فيها مسيرات تجوب الشوارع، مع اعتصام رسمي مفتوح وسط العاصمة.
وبينما تشتعل جبهات القتال مفتوحة في الجوف وعدد من المناطق بين الحوثيين والجيش اليمني، تستنفر جماعة الإصلاح الإسلامية وحلفاؤها عسكرياً، لأنهم يصرون على مواجهة الحوثي بالقوة، ويحرضون الدولة على استخدام العنف ضد الجماعة، وعدم السماح لهم بمحاصرة صنعاء والاستحواذ عليها.
الخطاب الإعلامي السائد هو خطاب حرب. الحوثيون متهمون بأنهم ضد النظام الجمهوري في اليمن، ويريدون عودة الحكم الملكي – الإمامي، الذي كان في اليمن والذي يسلم الحكم لأسر هاشمية. وتبين أن الرئيس هادي أعطى تعليماته للإعلام الرسمي بأن يصعّد، وأطلق هو شخصياً تصريحات اتهم فيها الجماعة بأنها مدعومة من إيران، التي قال إنها تريد مقايضة صنعاء بدمشق، وإن الحوثيين سيطروا على مدينة عمران في الشمال، بينما كان الجيش مشغولاً بمحاربة القاعدة في الجنوب. ومن المفيد هنا الإشارة إلى أنه قبل بدء تحرك الحوثيين، زار الرئيس هادي مدينة عمران، والتقى عدداً من المسؤولين هناك، مؤكداً عودتها إلى سيطرة الدولة. علماً بأنه يمكن أي زائر لعمران أن يكتشف أن المدينة تخضع بالكامل للسيطرة الأمنية لجماعة الحوثي، وأن الرئيس في هذه الحالة كان مباركاً انتقال السلطة على هذه المدينة من آل الأحمر إلى أنصار الله.
إلا أن الوضع الملتهب في صنعاء مرشح للانفجار في حال فشل جميع المحاولات للوصول إلى حل وسط. الشوارع مكدسة بالمسلحين من الجانبين. بعض مناطق العاصمة باتت تحت سيطرة الحوثيين. وانتشرت وحدات وفرق الجيش، فتحولت الشوارع والأزقة في صنعاء إلى مسرح جاهز لحرب عصابات بين البيوت.
التصعيد من الجانبين ملاحظ، والتوتر في صنعاء يزيد الأمور تعقيداً، فواحد من أهم أسباب فشل الوفد الرئاسي للتوصل إلى حل هو طريقة التعامل معه في صنعاء. هناك إمعان في استعراض القوة، والحوثي يريد فرض نفسه سيداً، ليس فقط في صعدة، بل في صنعاء، وزعيماً وطنياً.
الحوثيون لم يرفعوا السلاح بعد، لكنهم لم يؤكدوا أنهم لن يلجؤوا إليه كحل أخير. عبد الملك الحوثي نفسه هدد باللجوء إليه، مذكراً بأن ما حدث في الثورة الشعبية 2011 من مجازر ضد الشباب المعتصمين لن يتكرر، وأكد أنه في حال الاعتداء على جماعته المعتصمة في صنعاء، سيكون الرد بنفس الطريقة، ما يرشح الأمور لمزيد من العنف.
ويحاول الحوثي كسب أنصار من بقية الأطراف والتيارات السياسية. اليساريون الذين يرفضون رفع الدعم عن المشتقات النفطية، قدموا رؤية للحل، لكنها لم تلق أي طريق للقبول. مع العلم أن الكل يعرف بأن عدم خلق تسوية وسطية ستؤدي إلى المواجهة.
الأمور في اليمن معلقة، بين العاصمة حيث يقف رئيس ببذلة رسمية ومعه قاعدة عسكرية، ويتعرض لضغوط الإسلاميين حتى يستخدم القوة، وبين صعدة حيث زعيم متمترس يستخدم لغة التهديد والوعيد، لكن المنظور أن الحرب، لحد الآن مسيطر عليها، والحوثيون أحسنوا ضبط النفس، وعدم رفع السلاح، ودخلوا صنعاء تحت لافتة التظاهرات السلمية والشعارات والمطالب الاقتصادية.




هادي ملمّحاً إلى إيران: هناك دولة إقليمية تريد إحراق صنعاء

أعلن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، أمس، أن «هناك دولة إقليمية تريد إحداث الفوضى في صنعاء وإحراقها مثلما يحدث في دمشق وبغداد»، مضيفاً أن «هناك أطرافاً لا تريد لصنعاء أن تخرج بسلام».
وأضاف هادي أن «ما يحدث اليوم هو تأكيد أن هناك تآمراً على البلد من أطراف عدّة، بغرض إجهاض المبادرة السياسية المرتكزة على المبادرة الخليجية وآليتها المزمنة، وهذا ما لا يمكن أن يحدث». وقال الرئيس اليمني في كلمة له خلال استقباله عدداً من المشايخ والاعيان والشخصيات الاجتماعية وأهالي وذوي الجنود الـ14 الذين ذبحتهم القاعدة الشهر الماضي، إن «هناك مؤامرات لا تريد لليمن أن يخرج من أزماته، وألا ينعم بالأمن والسلام». وأكد العمل «بكل الطرق السلمية لتجنيب اليمن الحرب الأهلية»، مشيراً إلى «أن هناك دعماً كبيراً لليمن»، من دون أن يوضح طبيعة هذا الدعم أو من يقدّمه.
(الأخبار)