لا تزال القيادة الإسرائيلية تلتزم معادلة رد، من بعد عملية القدس الأخيرة، تتسع خياراتها ببطء مخافة انفجار شعبي فلسطيني واسع يضع إسرائيل أمام تحديات أمنية وسياسية معقدة، في ظل محيط معقد وسيال. ويأتي هذا السلوك برغم أن عملية القدس انطوت على أكثر من رسالة في أكثر من اتجاه. فهي أكدت تبدد رهانات قيادة العدو، وآخرين من المتربصين، على إمكانية تراجع زخم الانتفاضة مع مرور الوقت. أو حتى على إمكانية أن تتمكن الأجهزة المختصة من تطوير أدوات رد ووقاية تسمح لها بالتعايش مع هذا المستوى من العمليات.

في سياق متصل، تميزت العملية بأنها لم تجر كسابقاتها، على يد منفذ واحد، ولم يستخدم فيها السلاح الأبيض فقط، أو على الأقل كان جزءاً من الأدوات، في حين استخدمت رشاشات لإيقاع أكبر عدد ممكن من الإصابات. مع ذلك، عجزت الأجهزة الاستخبارية عن اكتشاف هذه العملية مسبقاً برغم ما تدعيه، وهو صحيح، بالتنسيق مع أجهزة السلطة، وامتلاكها سطوة معلوماتية، وكما يفترض في الحالات التي تتكون فيها مجموعة التنفيذ من أكثر من شخص، مع خصوصية أن العملية احتاجت إلى استطلاع وتنسيق وتخطيط وإعداد، بل كانت برغم خصوصياتها المذكورة مشابهة لنحو 200 عملية نفذت حتى الآن، ولم تتمكن الأجهزة المختصة من اكتشافها بسبب ما تسميه، مهنياً، «انعدام المؤشرات الدالة الواضحة». نتيجة ذلك، ليس بإمكان «الشاباك» أو غيره من الأجهزة التذرع بما سبق أن أوردته لتبرير فشلها، وخاصة أن التنفيذ كان على أيدي ثلاثة أفراد.

ما يجري قد يحشر الإسرائيليين نحو خيارات كانوا يتفادونها

ومع أن العملية تشكل امتداداً تراكمياً للعمليات السابقة، فإن القلق بدا على المؤسسة الإسرائيلية بارزاً، كونها تمثل ارتقاء في مستوى التخطيط والتصميم والكفاءة واختيار مكان التنفيذ. وهو ما يكشف عن مسار تصاعدي للمنفذين الذين استخلصوا، على صغر عمرهم، العبر من نتائج العمليات السابقة، وكذلك على ضوء استقراء مفاعيلها في الوسط الإسرائيلي.
التجلي الأبرز لهذه الكفاءة، كمن في مكان العملية وأسلوبها والتخطيط لها واختيار أدواتها. وبغض النظر عن المعطيات الميدانية التي استجدت وحالت دون تنفيذها كما كان مخططاً، فقد كان بإمكان المنفذين تنفيذها في الكثير من النقاط الإسرائيلية المنتشرة في الضفة المحتلة، لكنهم قرروا قطع مسافة من قباطية، شمالي الضفة، إلى القدس، رغم ما يمكن أن يتعرضوا له على الطريق من احتمالية كشف وعقبات تحول دون النجاح.
ما تقدم، يؤكد أن إسرائيل واجهت محاولة تنفيذ عملية معقدة نسبياً، بالقياس إلى عمليات الطعن والدهس السابقة، وهو ما كانت تنتظره أن يجري على يد إحدى خلايا فصائل المقاومة. لكن الذي حدث أن هذه المحاولة، جرت كما أعلنت التقارير الإسرائيلية، على يد مجموعة نسقت في ما بينها ولا تنتمي تنظيمياً إلى أي من هذه الفصائل. هذه الوقائع ستفرض على «الشاباك» تحديات مستجدة ستكون محور تركيزه في المرحلة المقبلة. وسيتركز جهد «الشاباك» أيضاً حول مسار تحرك المجموعة من نقطة الانطلاق حتى وصولهم إلى القدس، وخاصة أن أحدهم كان ممنوعاً من الدخول إلى داخل الخط الأخضر لأسباب أمنية. والنقطة الأخرى، التي لا تقل أهمية، فحص ما إن كان دخولهم عبر ثغرة في الجدار، وما إذا كانوا قد حصلوا على السلاح في القدس، والبحث عمن سلمهم السلاح.
ومع أن العملية بكل الحيثيات المحيطة بها، تظهر مرة أخرى شجاعة وتصميم المنفذين، لكنهم في هذه المسألة يشتركون مع من سبقهم من منفذي عمليات الطعن والدهس. لكن ينبغي أن يسجل لهم قدرتهم على تخطي الحواجز والأجهزة كافة وعبور جدار الفصل دون اكتشافهم.
في الخلاصة، تؤشر عملية القدس، وبعض ما سبقها من العمليات، الى أن إسرائيل قد تكون أمام محطة تحول باتجاه الهجمات المنظمة، وغير المنتمية تنظيمياً، الأمر الذي سوف يؤدي إلى حشر القيادة الإسرائيلية التي حافظت حتى الآن على ضوابط محددة في الرد، بهدف عدم الدفع نحو انفجار شعبي فلسطيني واسع، في الوقت الذي تعد فيه القيادتان السياسية والعسكرية جمهورهما بحلول لمشكلة الأنفاق الهجومية باتجاه مستوطنات غلاف غزة.
من جهة مقابلة، تقر القيادة نفسها بعدم وجود حل عسكري جذري لهذه العمليات، ولا يبدو أنه سيكون لها حل في الأفق المنظور. مع ذلك، تحاول المناورة بين حدي الرد المؤلم والإحباط، وبين تفادي ما يقدر أنه يسبب برد فعل شعبي واسع. لكن تواصل العمليات المؤلمة، في خسائرها أو مكانها، والمقلقة في زخمها وأساليبها، قد يحشر تل أبيب التي تتفادى حتى الآن الذهاب رغم الضغوط السياسية والنفسية، نحو قرارات رد دراماتيكية. وهو ما تجلى في قرار رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو (راجع عدد أمس)، بعد جلسة مشاورات مكثفة مع قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، بطلب دراسة سلسلة إجراءات؛ من بينها فصل شمال الضفة عن جنوبها، وفحص إمكانية سحب تصاريح العمل من ذوي منفذي العمليات.
ووفق تعبير المعلق السياسي في موقع صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، «ينبغي أن نعترف بالحقيقة القاسية: إسرائيل في فخ معقد وخطير. لا يوجد وراء هذه الموجة الحالية بنك أهداف، ولا بنية تحتية، ولا قيادة ولا هيكلية. في الجيش والشاباك، يعرفون أنهم سيحنون بعد أبو مازن إليه».