لا يزال حوثيّو اليمن، حتى الآن، يبدون معارضتهم للمبادرة الرئاسية التي جاءت لاحتواء الازمة المتصاعدة التي طوقت صنعاء. بنود المبادرة تطلب من عبد الملك الحوثي رسمياً المشاركة في السلطة. ولكن جماعة «أنصار الله» باتت تعلن أنه ليس من بين أهدافها الحصول على نصيب من الكعكة السياسية، غير أن قبولهم بالمبادرة يعني ظهورهم بصورة المضطر إلى قبول المشاركة في الحكم.


الشيخ القبلي حميد الاحمر رفض المبادرة الرئاسية جملة وتفصيلاً. وظهر أن الشيخ المناوئ للحوثيين تستفزه فكرة اقتراب الحركة الحوثية من دائرة السلطة في اليمن، التي يعمل حزبه الاسلامي «الإصلاح» على الاحتفاظ بها.
الاحمر رفض المبادرة الرئاسية، وقالها صراحة «لا لمشاركة الحوثيين في الحكم»، مؤكداً أن الشرعية الحالية «هي شرعية توافقية مستمدة من الاتفاق الذي وقّعه طرفا حكومة الوفاق، أي حزب المؤتمر وتحالف أحزاب المشترك»، ما يعني عدم إشراك حركة الحوثي.
وأشار الأحمر إلى أن «أي التفاف» أو انقلاب على الاتفاق السياسي ينسف شرعية الرئيس هادي ومؤسسات الدولة القائمة، معتبراً هذه المبادرة بمثابة انقلاب على الإخوان المسلمين في اليمن. وعمد إلى التواصل مع الملك السعودي عبدالله لاحتواء الموقف، وراح سيناريو مصر والمصير المأساوي لإخوان مصر يتراقص أمام أعين شيوخ الإصلاح من علماء دين وقبائل وعسكر، وهم يرون أن سلطتهم الى زوال تحت راية مطالب شعبية ــ اقتصادية، خرج بها الحوثي من صعدة، قاصداً بها صنعاء، مقر حكمهم.
صنعاء على مفترق طرق، وبين الطرقات تسير المظاهرات في شكل شبه يومي. كل فريق يخرج أنصاره في هذه الحرب «السلمية» التي لم يطلق فيها الرصاص. لكن الأمر، سياسياً، لا يبدو أكثر من تبادل أدوار، بين الاصلاح الاسلامي وحركة الحوثيين القادمة بقوة. تبادل أدوار تحدده أطراف خارجية، من مصلحتها إبقاء رقعة اللعبة في اليمن تحت السيطرة.


واحد من السيناريوات التي تطرح أن يُزجّ بالقاعدة في صنعاء لمحاربة الحوثيين



فالسعودية كانت قد صنّفت حزب الإصلاح الاسلامي جماعة إرهابية، بعد مساندة إخوان اليمن إخوان مصر، بعيد أحداث رابعة. لكن المملكة القريبة، تصنّف حركة الحوثيين أيضاً جماعة إرهابية.
«الإخوان» في اليمن أو «حزب الإصلاح» كان تقريباً يستحوذ على نصف الحكومة، منذ تسليم السلطة في شباط 2012. وبترؤسه لتحالف المعارضة من أحزاب يسارية وقومية، يبدو هو المهيمن على قواعد اللعبة. لكنه خارج صنعاء ظهر كمهزوم عسكرياً، بعد فرض السيطرة، والقوة التي ظهرت بها ميليشيا الحوثي في مناطق كان يسيطر عليها سابقاً.
هذا الوضع ينعكس اليوم على صنعاء: الرئيس يعلن مبادرة للتهدئة. الحوثي ما زال يرفض المبادرة. والإصلاح يحذر، ويصف هذه المبادرة بأنها انقلاب.

السيناريوات

تروج السيناريوات المتوقعة لما سيحدث، وتسرب بعض المعلومات التي تفسر مجريات الأمور. مصادر خاصة أكدت لـ«الأخبار» أن هناك اتفاقاً عقد بين الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي وجماعة الحوثي، منذ فترة، وقبل إصدار قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية، أي بعد دخول الحوثيين الى عمران.
وتضيف المصادر نفسها أن التصعيد الإعلامي من الجانبين كان ضمن شروط اللعبة. وهنا يظهر أن إصرار الحوثيين على رفض المبادرة الاخيرة التي تعيد النظر في قرار المشتقات النفطية هو لعبة سياسية من قبل الحوثيين ليضغط عليهم الشارع الذي يخاف وقوع الحرب. وهكذا لا يظهر أن الحوثي حقق انتصاره، أو فرض شروطه على الرئاسة، بل اضطر هو الى قبول شروطها، وهذا يحفظ هيبة الرئاسة ويخفف الحملة من قبل «الإخوان» على الحوثيين. ويظهر أن الرئيس وحده من يتحكم في كل الأمور؛ فالمبادرة تعطي الحق للرئيس بتعيين الحكومة وتسميتها، خاصة الوزارات السيادية، كالدفاع والداخلية.
وتنص المبادرة التي أعلنها الرئيس على جميع المطالب التي رفعها الحوثي، من إعادة النظر في سعر المشتقات النفطية، الى تغيير الحكومة، وأضيف إليها وقف التصعيد الإعلامي، بما يعني لجم سعار الإعلام الرسمي الذي تبنّى سياسية إعلامية تهاجم الحوثيين، باسم الرئيس شخصياً. كذلك فإن المبادرة الرئاسية تطالب الحوثي بالمشاركة في الحكومة. وبالتالي، تبدو المبادرة إصلاحات سياسية تمتص غضب الشارع، غير أن المكاسب السياسية التي يجنيها الحوثيون تبدو أكبر، خاصة أنها تأتي بعد قوة ضغط من قبلهم، وبعد خطاب التهديد والوعيد الذي لوّح به عبد الملك الحوثي خلال هذه الفترة.

الوضع العسكري

واحد من السيناريوات التي تطرح أن يُزج بالقاعدة في صنعاء لمحاربة الحوثيين، وهنا ينسحب الجيش، والرئيس هادي تحديداً، الى الجنوب. في هذه الحالة، يمكن وصف المشهد العسكري كالآتي: الرئيس هادي كان قد سحب قوات الجيش الى الجنوب لمحاربة الحوثيين، وركز الطائرات الحربية في قاعدة الجند الجنوبية، بحجة محاربة القاعدة، وفي المقابل تم تدمير أكبر وأقوى معسكر في الشمال وهو معسكر اللواء 310 الذي كان متمترساً في عمران تحت قيادة اللواء حميد القشيبي الذي قتل في حرب عمران الاخيرة. وبعد تدمير اللواء 310، تم السماح للحوثيين بالاستحواذ على معظم الاسلحة الثقيلة فيه.
وهكذا تتم تعرية جبال الشمال من أي قوة عسكرية تواجه الحوثيين. قبلها تمت هيكلة الجيش اليمني، بحسب رؤية أميركية طرحت مع المبادرة الخليجية، وهي رؤية تفكيكية للجيش اليمني كانت محل سرية تامة، حتى على قادة الجيش الكبار، تبعتها عمليات اغتيال جماعية لعدد من ضباط الجيش، خاصة في سلاح الجو. أما اللواء علي محسن الاحمر فتم قتله سياسياً، بعد القرارات الأخيرة الخاصة بالجيش، حيث ظهر منزوع الريش؛ فقد جرد من كل أسلحته، وتأثيره وسطوته العسكرية والقبلية.
فعلي محسن الأحمر الذي كان هو الراعي العسكري لمعظم الميليشيات القبلية في الشمال، وكان يسيطر على أهم المناطق في عمران والجوف وحجة إلى حدود صعدة، وقاد الحروب الست ضد الحوثيين، هو اليوم كمستشار للرئيس لم تعد له أي سلطة عسكرية على الجيش اليمني أو على ميليشيات القبائل في الشمال.
وهكذا يظهر الرئيس هادي أنه وحده المسيطر عسكرياً على جميع تحركات الجيش. أما السيطرة على القبائل فهي تتوزع بين الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي يظهر كلاعب أساسي في الأزمة الاخيرة المفتعلة.
فصالح يجد أنها فرصة للنيل من خصومه القدامى «الإخوان» الذين قادوا الاحتجاجات ضده في 2011، وعلى اثرها اضطر الى تسليم السلطة في 2012. وهو بذلك يعلن بشكل ما تحالفه مع الحوثيين، في الوقوف معهم في التصعيد الشعبي ضد الحكومة، مطالباً بتغييرها.
الوضع في اليمن لا يزال خطيراً، حتى في حال تسمية حكومة جديدة، في ظل شبح انفصال الجنوب اليمني، الورقة التي قد يحركها الحراك الجنوبي في حال انهارت السلطة المركزية في اليمن.
الأمر حتى الآن ﻻ ينذر بالحرب، لكنه مرشح للتصعيد من قبل حزب الاصلاح اﻻسلامي، في حال توزعت المصالح، وانتقلت السلطة في اليمن الى الحوثيين، وظهر الإخوان كأقلية سياسية، كما كان الحوثيون خلال العقد الأخير.



لعبة سعر المشتقات النفطية!

يؤكد خبراء اقتصاديون أن السعر الرسمي للمشتقات النفطية بعد تحريره ورفع الدعم الحكومي عنه كان من المقرر أن يكون 3500 ريال للعشرين ليتراً. ولكن القرار الرئاسي أعلن أن المواطن اليمني سيدفع 4000 ريال مقابل عشرين ليتراً، أي أكثر من السعر العالمي بـ500 ريال. وبعد التصعيد من جانب الحوثيين، وتطويق العاصمة ثم دخولهم للاعتصام، تأتي المبادرة الرئاسية بخفض المبلغ المعلن عنه 500 ريال، ليعود كما كان من المفترض أن يكون من البداية، أي 3500.