دخل «عصام»، وهو اسم مستعار، مع أوائل من دخلوا من الفلسطينيين السوريين إلى لبنان، قبل أن يصار إلى منعهم جميعاً من الدخول، كما الخروج من الحدود اللبنانية. فالقانون يمنع وجود الفلسطيني الذي يحمل اقامةً سورية في لبنان إلا بضوابط «سياسية» كثيرة، لذلك أغلقت السلطات اللبنانية الحدود بوجه الفلسطينيين وبشكل قاطع.

ولكن عصام الآتي من مخيم اليرموك، لم يكن قد زار لبنان من قبل، كما انه حتى لم يكن قد خرج من العاصمة دمشق أو زار حتى «حلب» مثلاً! الشاب ذو الثمانية عشر ربيعاً، وجد نفسه أمام خياراتٍ مرّة في اليرموك: إما أن تقاتل أو تموت.
لكنه فضل الاختيار الأجمل: «انفد بجلدك». هي معركةٌ لاشأن لنا بها، يقول عصام، لماذا؟ قد يبادرك السؤال فتسأله: ألا تحب سوريا؟ بلى نحبّها، يقول لكننا لا نجيد القتال ولا نعرفه، يعتقد الجميع بأن الفلسطيني ولد حاملاً بندقية، هذا غير صحيح البتة، فمخيمات الفلسطينيين في سوريا لا تعرف السلاح، ولم تعرفه إلا إبان الأزمة.

هكذا بكل هدوء يشرح عصام الفكرة. إنه لم يجد أمامه من سبيل إلا بيع «مصاغ» والدته كي يدفع لسمسار طريق، وهي صفة الأشخاص الذين يقومون «بتهريب» الناس من المخيم إلى خارجه وصولاً حتى لبنان.
لكن ما لم يكن يدركه عصام هو أن علاقته بالمهربين أو سماسرة الطريق لن تنتهي هناك، بل سيكون ذلك فاتحة الأمر وبداية عهده، فالسمسار هو عنوانُ المرحلة في سوريا، «بدونه لا تستطيع الذهاب من شارعٍ إلى شارع، تحتاج إلى أن تدفع كي تمر، فقد يكون هناك حاجز للجوية (المخابرات الجوية التابعة للنظام) بعده مباشرة بعشرات الأمتار حاجز للجبهة (جبهة النصرة) كيف يمكنك المرور؟ تدفع لسمسار طريق، هو يعرف كيفية ايصالك بتنسيقه مع الطرفين». يعرف عصام أن ما مر به فاق أكثر خيالاته دمويةً: «المخيم تحوّل في أقل من خمسة أشهر إلى مدينة أشباحٍ وموتى، الأمكنة التي كانت تضج بالحياة لم تعد هي نفسها، الشوارع والأزقة والحارات وأماكن اللقاء... انتهت، عرفنا ذلك بعد خمسة أشهر، كنا في البداية متأكدين من أن ما يحدث سرعان ما سينتهي، لكن مع بداية الشهر الخامس تأكدنا أن كل شيء كما نعرفه انتهى».


سمسار الطريق
هو عنوانُ المرحلة في سوريا


دخل عصام مع والدته وشقيقه الصغير ذي الخمس سنوات إلى لبنان، ومنذ اللحظة الأولى سجّل نفسه لدى مكتب الأمم المتحدة، وجمعياتٍ كثيرة ادعت أنها أتت للمساعدة والخدمة وتقديم الكثير، كل هذا «اضمحل» بعد أسابيع بسيطة. فجأة وجد نفسه يبيع قطعة ذهبٍ أخرى ليسكن بيتاً صغيراً في المخيّم. لم تكن الحياة في المخيّم «جنةً» بالنسبة لعصام، كما لم يكن لبنانُ أيضاً. فلبنان في خيالات الشبان السوريين كجنةٍ لله على الأرض لم تكن كذلك نهائياً: «بلدٌ عنصري يكرهوننا فيه، إن سمعوا لهجتنا، في تلك اللحظة يحتارون كيف يمكنهم سرقتنا، الضحك علينا، السخرية منا، أي شيءٍ وكل أحد. سائق الأجرة يبدأ بالسخرية منا من لحظة صعودنا معه، البائع يعطينا أسعاراً تختلف عن أسعار سكان المنطقة، وإن تسأله يطردك من دكانه تحت حجة أنك لا تعرف وتريد أن تتشاطر عليه، وقس على ذلك». والدته معلمة المدرسة، حاولت أن تجد عملاً، لكن أين يمكن إيجاد عملٍ لفلسطينية سورية في بلدٍ لا يسمح لفلسطينية لبنانية أن تعمل؟ جربت مراكز الجمعيات في المخيم، جربت الأونروا، جربت كثيراً من أشياء، لكن النتيجة ذاتها، وفي النهاية قبلت السيدة التي قضت أكثر من 15 عاماً في سلك التعليم وظيفة موظفة تنظيفات في إحدى الجمعيات بمبلغٍ لا يتجاوز مئتي دولار في الشهر ، تحت حجة أن «الجمعية» لا تمتلك مالاً (مع العلم أن الجمعية ممولة أوروبياً وبمبلغ هائل شهرياً). عصام قرر هو الآخر البحث عن عمل، جرب الجمعيات كونها الأقرب، لكن لا مجال. الشاب الذي لم يعمل أبداً إبان حياته في سوريا، قرر أن يدخل مجال الأشغال الشاقة: العمل في مجال «البناء». وفعلاً نزل إلى سوق العمل، واستغرب أن «المعلم» الذي أمن له العمل لم يرفضه أو يطرده سريعاً كغيرها من المهن، وسرعان ما فهم الأمر، لا أحد يمكنه احتمال هذا النوع من العمل إلا قلةٌ قليلة. فر عصام من العمل بعد 3 ساعات، عاد إلى المنزل ونام يومين متتالين من شدة التعب والقروح التي امتلأت بها يداه وظهره.
عصام قرر في لحظةٍ ما أن يهاجر، سمع كثيراً من الشبان الآتين من اليرموك كذلك، يتناولون حكاية الهجرة أمامه، بدأت رحلة عصام آنذاك والحديث مع «السماسرة». الأول طلب منه 10 آلاف دولار نظير نقله إلى تركيا ومن هناك إلى أوروبا. أخبره الثاني بأن الطريق عبر ليبيا هي الأكثر أماناً، إنما تكلّفه 7 آلاف وعليه هو بنفسه الخروج من سوريا وهو الأمر الأشد صعوبةً، إذ كيف يمكنه العودة إلى لبنان وهو مغلقٌ بوجه الفلسطينيين إذا ما فشلت «الهجرة؟ السمسار الثالث أخبره بأنه سيضعه في «عبارةٍ» لنقل المواشي من لبنان وصولاً إلى أوروبا، وعليه أن يحتمل قليلاً، وكان هذا هو السعر الأقل الذي سمعه 5 آلاف دولار، لكن المشكلة بحسب ما سمع، أنه قد ينساهم «الناقل» مع المواشي، فيموتون اختناقاً وترمى جثثهم في البحر!
يحتار عصام اليوم، بين الخيارات المرّة، بين الموت بالرصاص في سوريا، او جوعاً في لبنان، او غرقاً في الطريق إلى أوروبا.
هي خيارات الموت فحسب أمام الفلسطيني، ولا شيء غيره!




تزدهر تجارة «المعابر» هذه الأيام في سوريا. وسماسرة الطريق يعتبرون الرابح الأكبر في كل ما يحدث هناك، ففضلاً عن ازدهار أعمالهم داخلياً، تزدهر كذلك خارجياً. تريد الذهاب إلى مكانٍ ما؟ عليك أن تدفع، وقد تتراوح المبالغ المدفوعة مابين مئتي ليرة سورية وصولاً إلى 20 ألف دولار. واللافت أن هؤلاء يستطيعون لا نقلك أنت فحسب، بل نقل أي شيءٍ تريده أيضاً: أغراض، أناس، ممنوعات، ولكل سعره، وقيمته الشرائية! أما الضمانة؟ فلا ضمانة البتة!