نجونا يا صغيري، انتهت الحرب. لكني لا اثق بشيء، لا زلت اذكر وقفتنا في ممر البيت، إلى جانب الباب، هاربة من نوافذه المُشرَّعة على البحر، أضم يديَّ على بطني... أمشي خطوتين إلى الأمام، مثلهما تماماً للخلف وأتساءل: كيف بالإمكان أن أُخبئ هذا الجنين من رصاصة طائشة؟ أين أذهب؟ كنت وحدي هناك. أنا وكل الطائرات فوقي.


أسمع زئيرها الذي لا يتوقف، يشبه الغوص في كابوس معتم لا ينتهي، صوت يعلو... ينخفض، يبتعد ويقترب، لكنه أبداً لا يتوقف للحظة، صوت لا يعرف الهدنة. أيام قليلة كذبوا علينا بتلك الكلمة... هدنة!
صوت تلاه دخان أسود مر في السماء، مشى على السحاب ودار دورة كاملة. برج سكني كامل انهار أمام عينيَّ بأقل من دقيقة.
حينها ازدادت رغبتي في الهرب، ولكن: لأي جهة؟ لأي مكان؟ ذلك أنه لم يكن هناك من مكان آمن في غزة البتة، غزة بكاملها كانت مهددة بالموت وبحرب الإبادة الجماعية. يا لإنسانيتهم! إنهم لا يقتلون الناس هنا فرادى، إنما جماعات، بالجملة، بكل ما في المبنى السكني المدني من أطفال ونساء، بكل صخب الحياة التي كانت تدبّ في نفوسهم، تأخذ الصواريخ أحزانهم قبل أفراحهم، يدفنون معهم بيوتاً أمضوا أعواماً يفكرون ببنائها، وتقاتل الزوجان على زاوية الأريكة والمطبخ، بيوت كبيرة وواسعة ليجري فيها أولادهم. من كان يدري أن هذه الجدران التي حلموا بها طويلاً أماناً واستقراراً... ستكون مدفنهم الأخير؟
قصف ثم قصف... مناشير تطير كالحمام قبل ان تحط على ارضنا. قرأت واحدة منها وكم ضحكت! يريدوننا أن نتجند لهم وإلا فالموت! أن نُخلي لهم بيوتنا لتصبح هي والأرض واحدة! ايها الكلاب تهددوننا بالموت وكأننا لا نموت في كل لحظة.
تعبتُ من الخطوتين اللتين أتحرك بهما، أجلس على أرض الممر، أتصل كل دقيقة بزوجي الذي خرج ليجلب لنا الخبز . أمرّ سريعاً على الأخبار على الفايسبوك، أراقب التحديثات أولاً بأول. أماكن القصف تحديداً. عدد الشهداء، عدد الجرحى، عدد الأطفال الذي يزداد في كل قصف، عدد العائلات التي تفترش الشوارع. وأتخيل نفسي مكانهم واحداً واحداً. يضيع مني التعبير فأبكي وأقف كعلامة استفهام ساكنة!
لماذا يا رب لا تنتهي هذه الحرب؟ ألا يكفي ألف... ألفان... ثلاثة آلاف ضحية!
من يعرف كم لعبة لطفلٍ تمرغت بالتراب والدمار؟ كم هو حجم الخيبة الذي يعقد لسانك في كل مرة تُحاول أن تشرح لطفلٍ معنى الموت؟ نكبر والأطفال بداخلنا يبقون أحياءً، يُطلِّون علينا ويمسحون مرايانا كل صباح. يقولون صباح الخير، فنجيبهم خير إن نجونا لصباحٍ آخر...
لنكذب عليكم ونخبركم قصصاً عن بلاد كانت ولا تزال لنا بالرغم من رائحة الدم التي تفوح من حولنا ومن كل هذا الدمار.
خير... خير!