مع إدراك إسرائيل أن تجريد قطاع غزة من السلاح أمر لن يتحقق، وخاصة في هذه المرحلة، فإنها تصر على التمسك بهذا الشعار وربطه بعدد من المطالب الفلسطينية الأساسية. يؤكد هذا الموقف المركّب الاستراتيجية الإسرائيلية في مواصلة الحرب على المقاومة بأدوات أخرى، كمفاقمة المعاناة والآلام التي يواجهها الناس في القطاع.


على هذه الخلفية، يأتي ربط رفع الحصار وإدخال أموال الرواتب وإعادة الإعمار، بمطلب نزع السلاح، وبعبارة أخرى: وضع الفلسطينيين بين خيارين: الأول استمرار الدمار والمعاناة، والثاني التخلي عن خيار المقاومة وسلاحها.
وفي خط مواز، تتواصل الجهود الإسرائيلية في تثمير حالة الدمار التي أحدثها جيش العدو بطريقة مدروسة وموجهة خلال الحرب الأخيرة، وذلك بطرح مشاريع تتصل بمرحلة ما بعد وقف النار. أمس، كشف عن خطة جديدة لوزارة الخارجية على طاولة المجلس الوزاري المصغر، وتضمنت اقتراحاً لنشر قوة دولية في غزة تكون مهمتها الإشراف على إعادة الإعمار ومنع تسلح «حماس» وباقي الفصائل. الخطة الإسرائيلية، كما وردت في وثيقة كشفت عنها صحيفة «هآرتس»، من شأنها كما يرى واضعوها أن تخدم المصلحة الإسرائيلية في حال نفذت أنشطة أمنية فعالة في مجال تجريد غزة من السلاح ومنع تعاظم قوة «حماس». ولفتت «هآرتس» إلى أن الوثيقة مؤلفة من صفحتين، وجاءت بعنوان «مبادئ ومعايير لنشر قوة دولية في غزة»، وقد سلمها المدير العام في وزارة الخارجية، نيسيم بن شطريت، للوزراء في 21 آب الماضي. مع ذلك، أكدت الصحيفة أن كبار مستشاري رئيس الحكومة بحثوا الوثيقة مع مسؤولين في «الخارجية»، فيما لم يجر المجلس المصغر مداولات منظمة حولها برغم اطلاعه عليها.
ولجهة ظروف طرح هذه الخطة، نقلت «هآرتس» عن موظف رفيع في الوزارة قوله، إنه تمت بلورة الوثيقة على خلفية توجهات من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى خلال الحرب، ومما تضمنته من أفكار لإقامة نظام رقابة دولي في غزة يستند إلى تحسين مكانة قوة المفتشين الأوروبيين الذين عملوا في معبر رفح بين عامي 2005-2007.
في أعقاب ذلك، شكلت «الخارجية» الإسرائيلية طاقماً من عشرة مسؤولين ترأسه نائب المدير العام للشؤون السياسية، آلون أوشفيز. وخرج الطاقم إلى أن يكون عمل القوة الدولية بموجب أربعة مبادئ هي: تركيبة القوة، وصلاحياتها، وحجم انتشارها، والتفويض الذي سيمنح لها. كذلك اقترحت الوثيقة أربعة بدائل محتملة للتركيبة: قوة تابعة للاتحاد الأوروبي، وأخرى غربية بمشاركة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا، وثالثة تابعة للأمم المتحدة فقط، وأخيرة تابعة للحلف الأطلسي.
بين هذه الخيارات، أوصت «الخارجية» بنشر قوة أوروبية انطلاقاً من أن بالإمكان بلورتها في أقرب وقت، ولأن الأوروبيين عبروا عن استعداد مبدئي لتنفيذ خطوة مشابهة. وتتابع الوثيقة: «القوة الدولية ينبغي أن تكون مسلحة وتتمتع بصلاحيات تنفيذية تمكنها من مواجهة تهديدات حماس وباقي الفصائل»، إلى جانب تمتعها بما يسمح لها بمنع دخول أسلحة إلى القطاع ومصادرة مواد محظورة في حال العثور عليها.
أما عن الانتشار، فأوضحت وثيقة الخارجية أن القوة الدولية ينبغي أن تنتشر في الجانب الفلسطيني من معبر رفح وعلى طول محور فيلادلفيا، وفي مناطق معينة داخلية مثل منشآت الأمم المتحدة. كما أوصت الوزارة الإسرائيلية بأن يكون عمل القوة نتيجة قرار يصدر عن مجلس الأمن، أو بموجب اتفاق بين إسرائيل والسلطة وأميركا والاتحاد الأوروبي، وهو أيضاً اتفاق مدعوم من مجلس الأمن. ولفتت إلى أن مدة عملها عام قابل للتمديد لعام آخر، كما لها أن تعمل بصورة مشابهة لقوات الـ«يونيفيل» الدولية في جنوب لبنان.
في غضون ذلك، شدد الموظف الذي تحدثت معه «هآرتس» على أن القاهرة ينبغي أن تكون شريكة مركزية في أي مداولات بشأن نشر قوة دولية في القطاع، «لأن التنسيق مع مصر أمر بالغ الأهمية، وفي سبيل ذلك بدأت دول أوروبية عدة بحث الأمر معها».
في سياق متصل، أكد وزير خارجية العدو، أفيغدور ليبرمان، أنه «لن يتم تجريد غزة من السلاح»، واصفاً هذا المطلب بـ«غير الواقعي». لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون هذا المطلب «قوياً في الوعي، لذلك لن نتنازل عنه». واللافت أن ليبرمان تحدث عن مصير القائد العسكري لكتائب القسام، محمد الضيف، فأعرب عن «وجود مجال للتفاؤل» لإمكانية مقتله، وهو استند في ذلك إلى أنه حتى الآن «لم يسمع صوته».
بالتوازي مع ذلك، دعا الرئيس الإسرائيلي المنتخب أخيراً، رؤوفين ريفلين، إلى ضرورة أن يكون القطاع منطقة منزوعة السلاح ضمن آلية لا تتجزأ من عمليات إعادة إعماره. ودعا ريفلين إلى ضرورة مراقبة تحويلات الأموال إلى القطاع تفادياً لوصولها إلى «حماس».