يكاد كل التاريخ يحضر في ذهنك، وأنت في واشنطن، في تلة الكابيتول وفي قاعات الكونغرس، فيما رئيس الولايات المتحدة يعلن الحرب على «داعش»، عشية الذكرى الثالثة عشرة لحرب «القاعدة» على أميركا في 11 أيلول. كل تاريخ هذه «الأمة» يمرّ أمام عينيك وأنت تقرأ وقائع تلك الكلمات.


كما الكثير من تاريخ بلادك ومنطقتك، وتجاربك الشخصية مع هذه العاصمة المفتوحة على سياسات الكولونيالية في كل العالم، كما الفاتحة أيديها وقلبها وعقلها لتدخل العالم فيها وفي سياساتها وماكينة اتخاذ قراراتها، عبر قاعدة اللوبي. شيء من توازن الرعب التدخلي تقيمه واشنطن بينها وبين كوكب الباكس أميركانا. لكنه توازن على قاعدة «المباراة المحصورة». يحق لنا أن نتدخل في دولكم، لكن في المقابل يحق لكم أن تحاولوا التأثير على دولتنا وسلطاتها التقريرية والتنفيذية... مع فاصلة بسيطة: شرط أن يكون لديكم المال الكافي لذلك. نظرية اللوبي تعمل في واشنطن مثل مطاعم المازة اللبنانية. الكرم نفسه والمينيو الغني ذاته. يكفي أن تجلس إلى المائدة. يأتيك فوراً من يأخذ الطلبية. ماذا تريد؟ قانوناً من الكونغرس؟ قراراً حكومياً؟ مجرد تلميع صورة؟ تسويق فكرة؟ لدينا كل شيء ووفق رغبات الجميع. تريد مؤتمر «علاقات عامة»، التسمية على فكرة هي الأكثر شيوعاً واستخداماً منذ «أيباك»، حاضرون، كما تطلب صحون التبولة والشنكليش من لائحة المطعم، يعرض عليك «اللوبيون» النماذج الموجودة، أو يفصّل لك نموذجا خاصا: 20 كونغرسمان؟ أقل أكثر؟ لقاء في الكابيتول؟ موعدا في الخارجية؟ مواعيد في البنتاغون؟ في مبنى أيزنهاور الرئاسي؟ في البيت الأبيض؟ تضع الطلبية، فتطلع الفاتورة. تدفع سلفاً، يأكلون هم، وغالباً ما تأكل أنت الضرب!
أصلاً، في أحد حوارات هوليوود، ثمة عبارة رائعة. يسأل أحد الأجانب أميركياً خبيراً في ذهنية بلده أن يعلّمه لغتها. يجيبه الخبير: كل لغتنا مختزلة بكلمتين: بوتوم لاين (Bottom Line). لا يهم ناسنا ولا سلطاتنا ولا بلدنا إلا النتيجة. والنتيجة هي ما نعبّر عنه بهاتين المفردتين: بوتوم لاين. قبل أن يتابع الشرح للزائر الجاهل: لكن لا تنسَ أن أساس هذه العبارة ومصدرها الأول هو الفاتورة. البوتوم لاين، في معناه الحرفي، المحصلة، النتيجة، الخلاصة... كلها متأتية من الخط الذي ينهي الفاتورة، من الزيح الذي يقفل الحساب ويعلن المجموع... كل أميركا في لغتها. كل لغتها في كلمتين. وكل الكلمتين منبثق من حساب الدفع والقبض. من لا يفهم هذه الأميركا يخطئ معها، وتخطئ معه. الباقي تفاصيل.
يوم احتل صدام الكويت في آب 1990، جاء أهل البترودولار إلى شركة لوبي في واشنطن. وضعوا طلبيتهم: حرب لتحرير الكويت. دفعوا الفاتورة وأخذوا معركة ديمقراطية وحريات ونظاما عالميا جديدا. في يوغوسلافيا حصل الأمر نفسه. والذين دفعوا الفاتورة هم أنفسهم. فكانت غارات ومحكمة دولية خاصة وصور مفبركة اعتذرت عنها صحافة أوروبا لاحقاً، ونسيها العالم بعدما نسيتها واشنطن لحظة صدورها. شركتا لوبي الكويت ويوغوسلافيا معروفتان. والحالتان تدرّسان اليوم أكاديمياً، حول كيف تشتري حرباً من واشنطن، ضمن «باكيج ديل» يبدأ بالأمم المتحدة وينتهي بتسليم الحرب المشتراة طرداً بريدياً جاهزاً في أي مكان من العالم.
أما الحروب الحقيقية الذاتية الخاصة، فتلك مسألة أخرى. هي موزعة بين حرب جدية مع نية مسبقة بالحسم والربح، وحرب جدية لكن مع إدراك مسبق بأنها بدافع المصالح لا غير. حروب المصالح خاضتها واشنطن أيضاً، مباشرة في كوريا وفيتنام وبنما والصومال والعراق وأفغانستان وأميركا اللاتينية ومعظم كرة كوكبنا. أما حروب الوجود، فلم تعرفها كإمبراطورية إلا ثلاث مرات فعلياً. في الحرب الأولى، والحرب الثانية، وبعد 11 أيلول. والقاسم المشترك بين الحروب الثلاث، أنها بدأت بعد استهداف «أرض الوطن». سنة 1914 كانت واشنطن على حياد الرئيس ويلسون. حتى ضرب الألمان «أرضاً أميركية في البحر»، مع إسقاط الباخرة «إر إم إس لوسيتانيا» شمال الأطلسي، فدخلت واشنطن الحرب. سنة 1939 كانت واشنطن على حياد روزفلت النسبي نفسه، حتى ضربت اليابان أرضاً أميركية في بيرل هاربور، فتبدل المشهد. وبين وداع الألفية الثانية واستقبال الثالثة، كانت واشنطن مشغولة بذعر «واي تو كاي»، غير آبهة بذعر بن لادن المستولد في رحم لانغلي واستقبالات ريغان لـ «المجاهدين»، حتى ضرب 17 سعودياً ولبناني ومصري أبراج نيويورك وفخر وول ستريت... فبدأت الحرب.
اليوم تبدو أميركا في منطقة بين الاثنتين: حرب على «داعش»، لكن من دون منطلقات أميركية كافية لحسمها. «داعش» تضرب مصالح واشنطن؟ من قال؟ كيف تصدّر إذاً نفط العراق وسوريا وتقبض ثمنه عبر المصارف؟ ثم كيف تملأ عالم التواصل الاجتماعي، حيث تكفي صورة لحسن نصر الله لإغلاق موقع؟ ثم من جاء بطهران إلى التفاوض وإلى العبادي بدل المالكي وإلى حكومة بغداد الجديدة... لولا «داعش»؟ في المقابل «داعش» تضرب أرض أميركا؟ لم يحصل بعد. وحتذاك يكفي الكلام عن حرب أميركية ضدها، براً وبحراً وجواً، في انتظار إما 11 أيلول، وإما أن يأتي من يجلس إلى طاولة لوبي في واشنطن ويأخذ طلبية ويدفع الفاتورة ويتعلم لغة البوتوم لاين. حتذاك كل الباقي زجل بالإنكليزية. تماماً كما يجيده اللبنانيون ويحملونه مع الحمص، مع الجينات، مع الألقاب والمؤتمرات اللوبية والأخطار والقضايا المعمّدة باسم حفنة من دولارات.